اتصل بنا ارسل خبرا
صِبية القهوة.. طفولة متعَبة!

 

 

 

 

 

55

 

 

أخبار الأردن


في مسافة لا تزيد على كيلومتر، في شارع منحدر مزدحم بالمركبات، تتعاقب ثلاثة محلات لبيع القهوة على طريقة "تيك أوي". وتستخدم هذه المحال أسلوب دعاية

بشري: أولاد صغار يقفون في عرض الشارع، ويلوحون للسواقين بالصواني في محاولة للفت الانتباه. وكلما حدث أن توقفت سيارة على الجهة المقابلة –عادة في

اصطفاف مزدوج صفيق يعطل الحركة- يُهرع الصغير المسكين مبتهجاً بالصيد، ويقطع الشارع راكضاً بدون أن يتلفّت حواليه تقريباً، معرضاً نفسه لاحتمال الدهس،

وغيره لاحتمال البلاء.لا أعرف ما إذا كان هؤلاء الصبية من أبناء أصحاب محالّ القهوة الذين يساعدون آباءهم في "البزنس"، أم أنهم أُجراء دفعت بهم عائلاتهم إلى

السوق مبكراً ليعملوا في هذه "الحرفة" الخطرة. لكن الأكيد أنهم لا يرتادون المدارس، أو أنهم لا يجدون متسعاً للعناية بالدراسة إذا كانوا طلبة، بعد أن ينهكهم الوقوف

الطويل في عرض الطريق تحت المطر أو لهيب الشمس. وهكذا، تُضاف إلى سرقة طفولتهم قبل الأوان قتامة الأفق، عندما يترتب عليهم مستقبلاً كسب رزقهم من غير

دراسة ولا صنعة –إلا إذا كان التلويح بالصواني في الشوارع صنعة!في وعينا الاجتماعي القديم، دأب الناس على اعتبار عمالة الأطفال قيمة إيجابية. وكانوا يعتبرون

الطفل العامل "رجلاً" لأنّه تخلى عن ألعاب الطفولة وأصبح منتجاً ومسؤولاً. ولم يفكر أحد بأن هذه "الرجولة" المبكرة تعني اختصار الطفولة، بما يعنيه ذلك من القطع

الجائر للتدرج الطبيعي في خبرة الاشتباك مع مصاعب الحياة. وربما نفهم تلك النظرات إذا وضعناها في سياقاتها الموضوعية القديمة. كان من الطبيعي أن يُساعد الأبناء

آباءهم في عمل الزراعة أو رعي المواشي أيام كان طابع الحياة الغالب قروياً وبدوياً، وكانت فرصة التعليم نادرة في تلك البيئات والأوقات. لكنّ تعقّد الحياة وذهابها إلى

المدنية، غيّر ترتيبات الإنتاج والتصنيفات الاجتماعية، فأصبح التعليم المقدمة الأولى والضرورية لبدء محاولة تحصيل حياة لائقة نسبياً. ويعني حرمان الطفل من حقه

في التعلم هذه الأيام، حُكماً عليه بالشقاء، وحرمانه من أسلحة المنافسة في صراع لا يرحم. ولا شك في أن الأمر سيفرق كثيراً لو اتجه الأولاد إلى الحرف الصناعية بعد

إنهاء الدراسة الإلزامية، والتحقوا بمعاهد التدريب المهني.غير أنّ الكثيرين قد لا يعجبهم انتقاد عمالة الأطفال، ويتذرعون بأنّه لا يدفع المرء إلى تجرع المرّ سوى الأمرّ

منه. فهناك الأطفال الذين يتسربون من المدارس ويُجبرون على العمل بسبب ضيق الحياة على آبائهم، أو بسبب يُتمهم أو تفكك أسرهم. ومع أنّ هناك البعض من

مخدوري الضمائر الذين ربما يتاجرون بأبنائهم ويتسولون بهم وعليهم، فإنّ هناك آخرين ممّن يرسلون أولادهم إلى العمل كملاذ أخير. وهكذا، ينبغي أن تُحيلنا ظاهرة

عمالة الأطفال مرّة أخرى إلى المتسببين في فقدان الأمن الاقتصادي، وضعف أدوات الأسر الفقيرة أمام هجوم كلف الحياة وارتفاعات الأسعار. ولا بدّ أن تضعنا هذه

الظروف القاسية أمام السؤال الأخلاقي الصعب: هل ينبغي أن نتحدث عن تفعيل قانون حظر عمالة الأطفال، في حين لا توفّر الدولة بدائل تكفل لهؤلاء الصغار إمكانية

استكمال دراستهم الإلزامية؟ هل يمكن أن تتبنى الدولة هؤلاء الأطفال الفقراء في حال ثبت لديها أنّ عائلاتهم لا تستطيع تكلف مؤونة إبقائهم في المدرسة، وتحتاج إلى

عملهم؟ بل الأهم والأكثر جوهرية: هل هناك جدّية حقيقية وتفكير استراتيجي في اتجاه الإفراج عن الأردنيين من منطقة الأزمة وتخفيفهم من ثقل الفقر؟ ليس هناك

أوضح من صبية القهوة الواقفين وسط الشارع بأزياء حمراء وخضراء، إذا أراد أحدٌ العناية.أياً كانت الذرائع التي تُساق لتبرير عمالة الأطفال، فإنها لا تخفّف قتامة

الحقيقة. إنّ اختزال الطفولة وخنق البراءة وهي تحبو، لا بدّ أن تترك علامات وندوباً في روح الطفل العامل عندما يرشد. ولنتصوّر كيف يتعايش الطفل مع لغة الكبار

في ورشات الميكانيك، وكيف يكون نهار الولد الذي يصرف وقته في تنظيف أحذية الآخرين، أو عزلة الصبي الذي يصطاد الرزق في عرض الشارع، وهو يدقّ على

صينية القهوة –ليس طرباً، وإنما لتسوّل انتباه العابرين- ويلوب بدون أن يلاحظ بؤسه أحد، مثل الحبشيّ الذبيح!

 

هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
more