اتصل بنا ارسل خبرا
ماذا تنتظرون؟

 

aaburoman

 

سيطول انتظار وترقّب أبناء (ثلاثة أطفال صغار) الباحث (الذي يعدّ الدكتوراه) في أحد مراكز الدراسات في جامعة الحسين بن طلال في معان، محمود البوّاب، وهم ينتظرون عودة والدهم من الجامعة؛ فقد قضى شهيداً برصاصة طائشة، وهو يقف بعيداً تماماً عن مسرح الشجار العنيف الذي حدث في الجامعة.

والدة شهيد آخر، هو طالب مدرسة (15 عاماً) ذهب ضمن وفد من مدرسته للمشاركة في اليوم المفتوح في ذكرى تأسيس الجامعة؛ هي الأخرى لن تحضن ابنها بعد اليوم، إذ ذهب هو الآخر جرّاء هذا العنف الأعمى.

الشهيد الثالث هو أحد أفراد الأمن العام؛ جاء بلباس مدني لزيارة عائلية، ولا علاقة له من قريب أو بعيد بالعنف الذي تفجّر، فقضى نحبه.

أمّا الرابع، فهو طالب جامعي، دفع أهله ثمناً كبيراً كي يدرس ابنهم ويتخرّج ويعود إليهم يحمل شهادته ويعمل ليبدأ مستقبله، فكان أن لقي حتفه هو الآخر!

من يواسي هؤلاء المكلومين الموجوعين بأعزّ ما لديهم؟! ومن يواسينا نحن في أوطاننا ومجتمعاتنا وجامعاتنا؟!

كيف يمكن أن يأمن أيّ أب أو أمّ على أبنائهما، وهم يذهبون صباح كل يوم إلى جامعاتهم؟! ما يحدث لدينا تجاوزنا فيه جامعات أسوأ الدول الفاشلة، لأنّ الجامعات يفترض أنّها آخر من يُصاب بالأمراض الاجتماعية، لما تحمله من قيم التنوير والمواطنة. لكن لدينا، وبجدارة السياسات الرسمية المتراكمة الجاهلة المتخلّفة الفاشلة المخجلة.. التي أدارت هذا الملف خلال العقدين الأخيرين، فإنّ الجامعات أصبحت حاضنة لأمراض المجتمع، ومصدّرة للمشكلات والأزمات بامتياز!

صدِّقوني إنّ ما يحدث، بالرغم من مرارته وقسوته ونتائجه الأليمة، لا يمثّل سوى قمّة جبل الجليد مما وصلنا إليه من أمراض وأزمات. يكفي أن نعرف أنّ المخدّرات انتشرت في أوساط الجامعات والمدارس. وكما يقول أحد الأساتذة المتخصّصين، فإنّ كثيراً من هؤلاء الطلبة يستخدمون السلاح ويقومون بالتخريب والتدمير، وهم لا يدركون تماماً ما يفعلون، تحت تأثير ما يتناولونه من حبوب مخدّرة!

تصوّروا أنّ الجامعة قسّمت الطلبة في الاحتفال، الذي تحوّل إلى مجزرة وكارثة محقّقة، إلى خيم، كلّ واحدة منها تمثّل مدينة من المدن، وأمامها يافطات تتحدث عن هذه المدينة؛ أي تعزيز الهويات الفرعية والنفخ فيها وتجذير إحساس الطلبة بها، على حساب الشعور الوطني الجامع، وعلى حساب القيم الحداثية والوطنية والإنسانية والأخلاقية!

الحل ما يزال ممكناً اليوم، برغم أنّه يتطلب علاجاً قاسياً، لكنّه غداً سيكون أكثر صعوبة وتعقيدا. المسألة تحتاج، أولاً وأخيراً، إلى قرار سياسي حاسم؛ إلى إرادة صلبة للإصلاح والخروج من هذا النفق المظلم الحالي. لم تعد هنالك قيمة لا لورشات ولا لندوات أو حوارات أو حتى خلوات، فثمة إجماع على توصيف المرض وتحديد الجرثومة المسؤولة عنه. فقط ما نحتاج إليه هو جرّاح ماهر خبير، يقوم بالعملية. ولدينا من أمثال هذا الجرّاح نخبة واسعة من أعمدة التعليم العالي، ممن همّشتهم الدولة وتجنّت عليهم، لأنّهم ليسوا "على قد اليد"، ولأنّهم مستقلون؛ هؤلاء هم فقط من نحتاجهم اليوم!

في مقال سابق، طالبتُ بلجنة خبراء تأخذ صفة قانونية، تُعهد إليها مهمة إنقاذ التعليم الجامعي. وقد اتّصل معي بعدها وزير التعليم العالي، د. أمين محمود، وتناقشنا في الفكرة. وأنا أدعوه، بالتنسيق مع رئيس الوزراء، إلى البدء فوراً في هذا المشروع، وعدم تأجيل ذلك أو ترحيله، حتى لا نفاجأ غداً بأنّ العلاج أصبح أكثر تعقيداً ومرارة!

 

هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.

 

 

 
more