اتصل بنا ارسل خبرا
بين الريعية والمواطنة

 

 

 

ggfdfdf

 

 

 

أخبار الأردن

 

يذكرنا موضوع العنف الجامعي بخطورة تجاهل الأسباب الحقيقية التي أدت وتؤدي إلى ما وصلنا إليه من عنف جامعي، وتآكل في نسيجنا الاجتماعي، وضعف الاحترام للدولة ومؤسسات المجتمع. وإن لم

تكن لدينا الشجاعة لتسمية الأشياء بمسمياتها، فلن نستطيع وضع الحلول المناسبة والمؤسسية لوضعٍ ما عاد يحتمل التأجيل. عندما يتعلق الأمر بمفهوم المواطنة لدينا جميعا، فليس هناك من حل أمني

أو صلح عشائري يعالج مشكلة ساهمنا مجتمعيا في تفاقمها؛ عندما سمحنا للولاءات الضيقة بأن تطغى على الصالح العام، وللانتماءات الفرعية بأن تسمو على الانتماء للوطن بكل مكوناته وتعدديته التي

من المفترض أن تكون مصدر قوته وعزه. أين نحن من دستورنا الذي أقسمنا عليه، ومن المادة السادسة منه تحديدا والتي تنص على: "الأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن

اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين" (وليت أضيف "الجنس")؟ هل تصرفاتنا اليومية، أفرادا ومؤسسات، تدل على فهم عميق لمعنى هذه المادة، أم أننا، أفرادا ومؤسسات، نضرب بها عرض الحائط طالع كل

صباح، ونختبئ وراء عصبيتنا العائلية أو العرقية أو الدينية، وننكر الآخر، بينما نتغنى بحب الوطن في الوقت ذاته؟ هل عميت بصيرتنا إلى هذه الدرجة، حتى بتنا غير قادرين على رؤية التناقض بين الموقفين؛

نتغنى بالتعددية ونفاخر بالعصبية، نترنم بالدستور ولا نتورع عن خرقه؟! لا بد من الاعتراف بأن غالبية المجتمعات العربية لم تولِ موضوع المواطنة ما يكفي من الاهتمام. صحيح أن العديد من الدول العربية

الحديثة هي نتاج حدود اصطناعية رسمت من الغرب، بدءا من اتفاقية سايكس-بيكو العام 1916؛ ولكن الصحيح أيضا أن ما يقرب من مائة عام مرت على هذه الاتفاقية بدون أن تبذل هذه الدول ما يلزم

لتطوير مفهوم حداثي للمواطنة، يصهر -على سبيل المثال لا الحصر- العربي السني والشيعي والمسيحي، كما الكردي، ضمن وعاء اسمه العراق، يحتوي الجميع ويحتفي بهم؛ أو الماروني والأرثوذكسي

والسني والشيعي والدرزي في وعاء لبناني؛ أو العلوي والدرزي والكردي والسني والمسيحي والأرمني في وعاء سوري. لم تفعل الدول الناشئة بعد الاستقلال أيا من هذا؛ فلا هي طورت نظما تعليمية

تنمي في ذهن النشء قيم التعددية والتسامح وقبول الآخر، ولا هي طورت مفاهيم ترسخ الانتماء للوطن وسموه على أي انتماء آخر. وفي الكثير من الأحيان، استغلت معظم الدول الاختلافات العرقية

والدينية بين مواطنيها لبث الفرقة وإحكام السيطرة على المجتمع، بحجة المحافظة على الاستقرار. اليوم، يدفع العالم العربي الثمن. وقد أثبتت الاضطرابات التي نراها في تلك الدول الآن أن هذا الاستقرار

كان زائفا ومفروضا بالقوة، بدل أن يكون استقرارا طبيعيا، ناتجا عن تطوير متدرج لما تعنيه المواطنة الحقة من حقوق وواجبات. فما كان الأخ لينهش لحم أخيه في العراق أو سورية أو غيرهما من الدول، لو أنه

ترعرع على احترامه والنظر إليه كمواطن شريك في الوطن، لا خصم ينازعه على هذا الوطن. لم نكتف بهذا، بل أضفنا طامة أخرى في دول عديدة، منها الأردن، اسمها "الريعية"؛ فحابينا فئات على حساب

المجموع، تحت حجة أن منعة الوطن تتطلب ذلك، أو أن هناك فئات أقل حظا ينبغي أن تعامل معاملة متميزة. وقد نسي أو تناسى أصحاب هذا النهج أن الفئات الأقل حظا لا تنتمي لعرق أو دين أو منطقة

جغرافية، وأن كثيرين من المستفيدين من هذه الريعية حظهم لا تنقصه القلة أبدا. حان الوقت للتعلم مما يجري حولنا. منعة الأردن واستقراره وازدهاره بشكل مستدام، تتطلب تنمية مفهوم حداثي للمواطنة؛

لا يقصي الآخر، ويحتفي بالتعددية العرقية والدينية والسياسية والثقافية الموجودة في هذا البلد الحبيب، ويدرك أن هذه التعددية أساس تطوير وتجديد كل المجتمعات. كم يبدو هذا الكلام بدهيا، وكم نحن

بعيدون عنه! دعونا ننتهي من الحملات المسعورة التي تنطلق كلما نادى أحدهم بتغليب المواطنة على أي انتماء آخر. دعونا ننتهي من الكلام عن الحقوق المنقوصة، والوطن البديل، والمؤامرات الخارجية،

وندرك أن الاستقرار الحقيقي لا يفرض بالقوة، وإنما هو نتاج سيادة القانون على الجميع، والمساواة في التعامل مع الجميع. أما اليوم، فلم نكتفِ بالنعرات العرقية، وإنما تعديناها لتشمل المناطق الجغرافية

والانتماءات العائلية. ولا أعرف كيف لنا أن نبني دولة مدنية حداثية، بينما العديد من مؤسساتنا ومثقفينا ما يزالون ينظرون لأنفسهم باعتبارهم "سلطيين" أو "كركيين" أو مسيحيين أو مسلمين أو شماليين أو

جنوبيين أو شرق أردنيين أو فلسطينيين أو شراكسة أو أرمن؛ قبل أن ينظروا لانفسهم باعتبارهم أردنيين اردنيين؛ أردنيين وأردنيات! والمواطنة الحقة لا تغفل الفئات الأقل حظا، بل من يغفلها هم أولئك الذين

يصرون على المحافظة على امتيازات القلة على حساب المجموع. كلنا ستة ملايين ونيف، وهذا رقم كالأعداد الأولية؛ لا يحتمل القسمة إلا على واحد.  كلما طالب أحد بإصلاح جدي، نرفع نغمة الخصوصية

الأردنية. ولا أجد هنا أفضل مما قالته الأجندة الوطنية: "انطلقت لجنة الأجندة الوطنية في عملها من واقع المجتمع الأردني الذي يمثل تراكم إنجازات الماضي ونقطة الانطلاق إلى المستقبل. فالدقة في

وضع الهدف، تشترط مراعاة الواقع والأخذ به، كما أن النجاح في المسعى يتحقق فقط بتجاوز هذا الواقع وتطويره على مراحل، وبما يؤدي إلى تأمين حياة أفضل لجميع الأردنيين في مختلف المجالات". كم

نجحنا في مراعاة الواقع، وكم فشلنا في تطويره! متى نعترف أننا أخطأنا بحق الوطن، حين سمحنا لانتماءاتنا الضيقة بالعلو فوق انتمائنا له؟ متى نجعل العائلة والدين ومسقط الرأس سندا لهذا الوطن، لا

عبئا عليه أو بديلا عنه؟ متى ندرك أننا لم نعد نملك ترف الوقت اللامحدود، وأن تنمية مفهوم المواطنة، بحقوقها وواجباتها، تتطلب جهدا خارقا ووقتا طويلا، وتبدأ من إعادة النظر في نظمنا التربوية، وتمر من

خلال تفعيل وتطوير مبدأ سيادة القانون على الجميع، وصولا إلى احترام التعددية والاختلاف، وأن لا مناص من أن نبدأ، إن أردنا وقف هذا التراجع الخطير الذي نشهده في القيم؟ وقبل وبعد هذا وذاك، متى

ندرك أن المواطنة والريعية لا تلتقيان، وأننا نحتاج إلى الانتقال التدريجي من نظام يعتمد الريعية، إلى آخر عماده المواطنة كما عرفها الدستور الذي أبى التفرقة بيننا، بينما حللناها نحن؟ إن لم تتوفر الإرادة

المجتمعية كما السياسية لتطوير مفهوم عصري للمواطنة كان يجب أن نبدأ به منذ الاستقلال، فسنظل نشهد ترجمات ذلك في اقتتالات فيما حولنا من الدول، وفي أزمات سياسية واقتصادية وعنف جامعي

ومجتمعي لدينا. الحل بين أيدينا إن عقدنا العزم، وإلا فإننا وحدنا الملامون.*نائب الرئيس للدراسات بمؤسسة كارنيغي للسلام في واشنطن العاصمة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
more