اتصل بنا ارسل خبرا
الحراك الشعبي وإضاعة البوصلة

 

 

nabil gheeshan copy

 

الهجوم المبرمج على دائرة المخابرات لم يكن بوصفها آداة قمع بل لأنها تمثل صمام أمان

اضطر عدد من حراكات شبابية وشعبية الى الغاء اعتصامهم الذي كان مقررا مساء الخميس الماضي أمام دائرة المخابرات العامة بعد أن أيقنت خطورة المغامرة ومدى الانقسام الذي أحدثته في الشارع الأردني الذي يدافع عن الأمن والاستقرار والكيان الأردني أولا ومدى احترام الأردني لأجهزته الأمنية وقواته المسلحة في ظل الفوضى الإقليمية السائدة.

قلنا منذ بداية الربيع العربي إننا لا نريد لرياح التغيير التي هبت على المنطقة أن تذهب من دون أن تحصد الجماهيرالعربية شيئا حقيقيا يلبي مصالحها السياسية والاقتصادية، ابتداء من تحسين الأوضاع المعيشية وإنهاء الفساد ورفع الظلم والاستبداد وفرض قيم جدية تتسم بالديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان والمشاركة في صنع القرار.

لكن؛ في المقابل لا نريد أن تتطور المطالب ويجرنا المغامرون إلى الفوضى بحجة التغيير، فجهاز المخابرات هو جهاز وطني لا يحق لأي كان التشكيك فيه بحثا عن مصالح حزبية ضيقة، فمن يعطي مجموعة أن تطالب بإعادة "تشكيل المخابرات على أسس وطنية"، وبعدها هل سنبدأ بالمطالبة بالتمثيل والمحاصصة؟

للأسف إن الحراكات الشعبية ما زالت تعاني من ضعف البنية والافتقار إلى برنامج موحد وأداوات وأساليب عمل حقيقية قادرة على إقناع الناس بمطالب الشارع، ويبدو أن جماعة الإخوان المسلمين التي تقف وراء أغلب الحراكات ذات السقوف العالية أصبحت تئن تحت وطأة حراك داخلي لم يعد يقتصر على الحمائم والصقور، بل وصل إلى الشباب والشيوخ واتساع الفجوة بينهما.

من حق القوى السياسية ان تنتقد مؤسسات الدولة، لأن من يعمل يخطئ، لكن للأسف؛ الهجوم المبرمج على دائرة المخابرات العامة لم يكن هجوما بوصفها أداة قمع، فالكل يعرف ان صفحتها أصبحت بيضاء"منذ سنوات طوال " من الاعتقالات السياسية أو التعذيب ، فالهجوم إذًا يأتي لأنها تمثل صمام أمان للدولة والشعب الأردنيين، والهدف واضح؛ هو السعي إلى تفكيك الدولة وضرب نظامها السياسي.

اللحظة التاريخية في الإقليم خطرة جِدًا، ورؤوس كثيرة باتت مطلوبة، كما الأوطان أصبحت مستباحة . فهناك من يُخطط بدهاء وهناك من يتآمر وهناك من ينفذ، لكن المهم أن نكون بكامل وعينا ولياقتنا الأمنية، فالحصانة للنظم السياسية لا تتأتّى إلاّ من شعوبها ودعم من جيوشها وأجهزتها الأمنية، التي تراقب وتتدخل عند الخطر.

إن الأمن الوطني، مشروع حياة أو موت، لا يمكن تأجيله ولا يمكن التساهل فيه، لأن غول الإرهاب قد يأكل الأخضر واليابس، ويجر الناس إلى "مغارته المسحورة" من دون أن ينتبه المتحمسون للفوضى إلى مواطئ أقدامهم التي قد تنزلق في لحظة إلى هوة عميقة لا يمكنهم الخروج منها.

لا مفاضلة بين الأمن والديمقراطية، فكلاهما مهم وكلاهما مرتبط بالآخر، فالأمن والاستقرار ينتجان مناخ الديمقراطية الحقيقية ويقودان إليها، وعلى العكس منهما؛ الفوضى لا يمكن ان تقود إلى الديمقراطية أو التحديث.

رسالتنا واضحة لأصحاب الرؤوس الحامية في الحراك.. لا تُفقدوا البوصلة اتجاهها الصحيح، فالدولة مكسب يجب المحافظة عليه، والاردنيون لن يسكتوا على محاولات استجلاب الفوضى وهدم الوطن وأجهزته، فالأردني إذا كان يعتز بشيء فهو اعتزازه غير المحدود بالأجهزة الأمنية التي وفّرت له الأمن والاستقرار، فغدا بلده وبيته واحة أمن ومثالا في المنطقة، قد يجوع الأردني، وقد لا يجد قوت عياله، لكنه لن ينسى فضل الأمن والأمان على نفسيته وسكينته.

الجميع يقفون مع التغيير والاصلاح ومحاربة الفساد، لانه مصلحة وطنية، تقرر بالاجماع أو بالتوافق على أسس اللعبة الديمقراطية وخط سيرها ونتائجها، من دون استفراد أو إقصاء من أية جهة كانت، وهذه المهمة لا تقبل التأجيل أو الفشل، وقد شاهدنا منذ أحداث دوار الداخلية كيف أن شباب الإخوان وتصعيدهم غير المبرر وشعاراتهم المغامرة ، قد أخافت الناس من الحراك الشعبي نفسه وقزّمت دوره.

إن المضي في التصعيد والشتائم في الشوارع وطعن أجهزة الوطن وإيقاظ الفتن النائمة ليست في مصلحة أحد، بل على الجميع تحديد الهدف والبرنامج بالتوافق الوطني بعيدا عن المكابرة والتخويف، على قواعد إصلاحية واضحة تحفظ النظام السياسي وهويته وتغلق أي منافذ يمكن أن يعبر منها المشروع الصهيوني "الحكم البديل في الوطن البديل".

 

 

 

 
more