اتصل بنا ارسل خبرا
هل الأردنيون عنصريون حقاً..؟

 

hussain rawashdeh

 

كنت قد أشرت في مقالات سابقة الى “التحولات” التي طرأت على الشخصية “الاردنية”، وحاولت آنذاك ان اوجه النقاش العام الى ضرورة اعادة النظر في “الانطباع” السائد حول هذه الشخصية، لكن لقلة ما صدر من دراسات أو بحوث حول هذه القضية على عكس ما فعله غيرنا سواء في مصر أو العراق او المغرب العربي، طوي الملف، وأصبحنا بالتالي امام “لغز” مسكوت عن فهمه وتفسيره، باعتبار ان “شخصيتنا” العامة، جزء من “هوية” مكشوفة، ومن الافضل ان تبقى هكذا دون الدخول في تفاصيل قد تثير المزيد من الحساسيات.

 

امس طرح الصديق د. محمد ابورمان في مقالته سؤالا، ربما تحول في السنوات الاخيرة الى اتهام، وهو: هل يشعر الاردنيون بالعنصرية، وللتذكير - فقط - فان صحيفة الواشنطن بوست اشارت في “تصنيف” خاص بها الى ان الاردن ثالث دولة في العالم يمارس “شعبها” العنصرية، ولم يذكر التقرير - بالطبع - لا اسرائيل ولا غيرها من الدول التي “تعاني” فيها الاقليات - على انواعها - ممارسات عنصرية، واحيانا حروبا تحت لافتة “اللون” أو “الدين” او العرق والطائفة.

 

حين تدقق في “طبائع” الشخصية الاردنية تكتشف - بالضرورة - انها تتصف بالعديد من الصفات الايجابية، فهي - مثلا - ذات ميول سلمية وعقلانية، وهي - في المجمل - متسامحة وكريمة وتتآلف مع الآخر وتستوعبه، كما انها تمتاز “بالقدرة” على الصبر والتحمل، ولكنها - ايضا - تعاني من بعض الصفات السلبية، منها الاحساس “بالمظلومية” والشكوى الدائمة من الظروف وسوء الاحوال، والاعتماد - اجمالا - على الآخرين، و”العناد” وصعوبة التكيف، والتسرع في اطلاق الاحكام..الخ.

 

لا ريب ان ثمة تحولات قد طرأت على هذه الشخصية، اما بسبب الضغوطات السياسية والاقتصادية، او بسبب رداءة “الخطاب” الديني او تحت وطأة الاحساس بالخوف من المستقبل، وعدم حسم سؤال “الهوية”، ومن هذه الصفات التي داهمت جزءاً من الاردنيين بفعل هذه العوامل وغيرها صفة “الشطارة” والفهلوة، وصفة الشعور “بالتمايز” الذي يُفهم احيانا، وربما يمارس، باعتباره احساسا “بالعنصرية”، ومن المفارقات ان هذه السمات ليست جزءاً اصيلا من شخصيتنا، وانما هي طارئة، بدليل اننا نتعامل بدرجة عالية من الرضى والسماحة فيما بيننا - مهما اختلفت اجناسنا - في مجال “المصاهرة” بالدم، فنحن - مثلا - لا نتردد في “التزاوج” او في “التعاون” والنخوة، لكننا نقف لبعضنا بالمرصاد في مجال “المصاهرة” السياسية، لدرجة ان حسابات الجغرافيا او الديمغرافيا تجعلنا اكثر “عدوانية” في التعامل مع بعضنا تبعاً “لمسطرة” المحاصصة.

 

فيما مضى من “عمر” مجتمعنا، كان الاردنيون يعتبرون “الغريب” اي غريب، ضيفاً عليهم، ويتدافعون لخدمته وتقديم الواجب اليه، آنذاك كان يراودهم احساس “بدوي” بأن “قيمة” الكرم مثلا ضرورة توفر لهم الحماية والخدمة، قبل ان توفرها “للقادمين” او المارين عبرهم، وكانوا يعتقدون تبعا “للمخزون” الديني ان “ارضهم” هي ارض الحشد والرباط، وتبعا للمخزون “العربي” انها ملاذ “للاحرار” ومنطلق للتحرر، لكن مع تغير الظروف وتحول “الاحداث” اصبح “الاردني” اكثر انعزالة واكثر احساسا “بعقدة” الظلم وبعدم تقدير الآخرين له، وبالتالي تولدت لديه الرغبة بالدفاع عن “ذاته” والبحث عن مصالحه، وردّ الاخطار التي يعتقد انها تهدد “وجوده”، وفي هذه اللحظة بالذات ومع موجة “الثورات” العربية التي اكملت “موسم” الهجرات المتتالية الى مجتمعنا، وكرست داخله الاحساس بحاجته الى استعادة كرامته وحضوره في المشهد الجديد، فهم البعض ان ما عبر عنه الاردنيون من دفاع عن “ذاتهم” وكرامتهم هو نوع من “العنصرية”، وهذا بالطبع فهم غير صحيح، حتى لو اعتبرنا ان “تصنيفات” التنوع، وحدة تداول “الهويات” وصراعات “الجغرافيا والديمغرافيا” التي جاءت في سياقات سياسية لا في سياقات اجتماعية هي جزء من وهم “العنصرية” او تهمة “التمييز”.. مع انها في الحقيقة ليست اكثر من تعبير عن احساس بالخطر وتنبيه اليه.. ومحاولة لتحسين “الظروف” السياسية والاجتماعية التي افرزت ما لاحظناه من غضب ونزق احياناً.

 

 

 

 
more