اتصل بنا ارسل خبرا
ما بعد «القصير».. ليس ما قبله

 

kharroub

 

باعلان الجيش السوري سيطرته على مدينة القصير واعتراف المتمردين بأنهم «اخلوا» المدينة بعد «مذبحة» سقط فيها المئات منهم (وفق بيانهم المتناقض الذي يجمع بين الاخلاء والصمود لنيل الشهادة) يمكن القول ان فصلاً جديداً في الأزمة السورية قد بدأ، وان اطراف الأزمة وخصوصاً العواصم الاقليمية والدولية الداعمة لحركات وجبهات وجيوش المعارضة التي يصفها ميشيل كيلو المنتشي بانضمامه الى «الائتلاف» بأنها «مقاومة» عسكرية (كذا)، قد بدأت تعيد النظر في استراتيجيتها التي قامت حتى الساعات الاخيرة التي سبقت سقوط القصير على استمرار التمرد العسكري وعلى مواصلة انهاك واستنزاف سوريا الوطن والشعب، وصولاً الى اسقاط الدولة وتقسيمها او تحويلها الى صومال جديد، دولة فاشلة لم تستطع النيات «الحسنة» للغرب المتنوّر، أن تخرجها من حال الانهيار التي اوصلتها اليه التدخلات الخارجية منذ نحو من عقدين ونيف..

 

سيقول كثيرون - بالتزامن من عودة الضجيج المتسارع والمكثف عن استخدام الجيش السوري النظامي للسلاح الكيماوي ووجود أدلة «دامغة» على ذلك – ان «المعركة» التي جرت في القصير كانت ذات نَفَسٍ طائفي ومذهبي، وان السلطة السورية باصرارها على إستعادة القصير (التي كان المتمردون قد «حرّروها» كما تعلمون) انما تستهدف تأمين الطريق الواصل بين دمشق والشريط الساحلي عندما يحين الوقت لانشاء دويلة او جيب علوي يحتمي الرئيس السوري به..

 

وسيقولون ان دخول حزب الله، هو الذي رجّح الكفة لصالح النظام وجيشه المنهك، الذي فشل في استعادة القصير او استكمال استعادة حمص لانعدام قدرته وفاعليته..

 

إلاّ ان الضخ الاعلامي هذا، لن يغير من موازين القوى او الحقائق الميدانية على الارض التي وحدها هي التي يتم التعاطي معها سواء في التحضير لِـ(جنيف2) او للمضي قدما في المواجهات العسكرية التي تواصل عواصم الغرب الاستعماري التلويح بها وخصوصا باريس التي يبدو انها ستكون اضافة الى تركيا اردوغان، اكبر الخاسرين من مآلات الازمة السورية ولم تكن مشاركة فابيوس في لقاء لافروف مع كيري في العاصمة الفرنسية سوى الدليل على محاولة استلحاق لقطار فات الحكومة الاشتراكية التي يعاني رئيسها «فقراً» في شعبيته، لم يسبقه اليها اي رئيس فرنسي، فضلا ان مقاربة الثنائي هولاند - فابيوس للازمة السورية لم تختلف بل هي استنساخ لنبرة الاستعلاء والغطرسة والحنين الى الماضي الاستعماري البغيض، التي اطلقها الثنائي اليميني ساركوزي - جوبيه.

 

ما علينا

 

ينسى او يتناسى كثيرون - لاسباب لا تخفى على احد - ان الموقع الاستراتيجي لمدينة القصير التي هي جزء من ريف حمص، نابع اساسا من ملاصقتها للحدود اللبنانية وخصوصا بلدة عرسال وجرودها الممتد، الذي منح حرية الحركة لتيار المستقبل الذي يقوده سعد الحريري ومجمل الحركات التكفيرية والسلفية في لبنان (على كثرتها) كي تجعل من تلك الحدود (اتوسترادا) تنقل عبره، المتطوعين والاسلحة والذخائر والاموال الى الداخل السوري بل استخدمته دول عربية وغير عربية، كي تقارف الشيء ذاته، ما مكن جيوش المتمردين ومنظماتهم من السيطرة على معظم احياء حمص وفي ضمنها القصير وقطع طرق الامدادات عن الجيش السوري وشل الحركة بين المحافظات الشمالية (بما فيها الساحلية) وتلك الجنوبية، انطلاقا من القاعدة المعروفة في سوريا، وهي أن من يسيطر على الوسط (وحمص هي واسطة العقد) يسيطر على سوريا كلها.

 

هنا تكمن القطبة المخفية او التي يريد كثيرون ان يتجاهلوها ويواصلوا انخراطهم في عمليات الشحن الغرائزي والمذهبي، مع اهمال مقصود لحقائق معروفة ومعلنة وهي محاولات المتمردين وغلاة التكفيريين والجهاديين «تطهير» قرى الهرمل وبلداته من سكانها الشيعة وتشكيل فضاء «سُّني» يربط بين حمص (والقصير الاقرب الى لبنان جغرافياً) وتلك المناطق تمهيداً، للهيمنة على منطقة البقاع بأسرها..

 

قد يكون لحق بالقصير دمار كبير وقد يكون – بل هو كذلك – عدد الضحايا اكبر بكثير مما يعلنه هذا الجانب او ذاك الا ان لمواجهات الاسابيع الثلاث الماضية ابعاداً اخرى تتجاوز ما يحدث في الحروب عادة – ما بالك تلك التي تقترب من صفة الحروب الاهلية – الى عالم السياسة، التي يبدو ان اطياف المعارضة السورية على اختلاف مموليها وداعميها ورعاتها في الداخل والخارج قد ادارت ظهرها لها (للسياسة بالطبع وليس للعواصم والدول والاجهزة الممولة)، الامر الذي يمكن للمرء ان يلحظه في النداء «المؤثر» الذي وجهه جورج صبرا، رئيس الائتلاف المؤقت (ورئيس مجلس اسطنبول المغدور) يوم اول من امس، الى نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني (اقرأ: رئيس حركة امل وحليف حزب الله) يناشده (..) التدخل للسماح باخلاء اكثر من ستماية جريح في القصير بعضهم في حال الخطر، بكلمات وعبارات يكاد من يدقق فيها ان يستنتج بأن الرجل هو شقيق او توأم المهاتما غاندي او ابن اخت الام تيريزا، في الوقت ذاته، الذي لا يزال كثيرون يتذكرون وهم يشاهدون هذا الشيوعي التائب الذي بات دمية في يد الاخوان المسلمين (وغيرهم) وهو يقول امام الفضائيات التي تبث في شكل مباشر بعد انتخابه (اقرأ: تعيينه) رئيساً للمجلس الوطني (قبل ان يتم نعيه واستيلاد الائتلاف) ان السوريين يريدون السلاح .. السلاح .. السلاح (كررها ثلاث مرات) ولا شيء غير السلاح..

 

ولم يتوقف صبرا منذ ذلك الحين حتى بعد تعيينه نائباً «ثالثاً» لرئيس الائتلاف المستقيل احمد معاذ الخطيب، عن المطالبة بـ «السلاح» لاسقاط النظام الذي يرفض (صبرا) الجلوس معه، إلاّ فقط كي يتنازل عن الحكم ويسلّم السلطة الى المعارضة..

 

ردود الفعل التي بدأت تتوالى بعد هزيمة المتمردين في القصير، تبدو انفعالية ومرتبكة ولا يُعوّل عليها، لأن اصحاب القرار في عواصم الغرب الاستعماري يعكفون على دراسة ابعاد ودلالات هذا التطور الدراماتيكي في مسار ومصير الأزمة السورية..

 

لا بد من الانتظار.. لكن في ظل حقيقة ميدانية تقول:

 

ان ما بعد القصير لن يكون ما قبله..

 

 

 

 
more