اتصل بنا ارسل خبرا
الدواء المرّ: لماذا؟

 

23333333330981 1

 

دعا رئيس الوزراء، أول من أمس، النواب إلى القبول بقرار رفع أسعار الكهرباء، لوقف النزف في الموازنة وإيقاف الخسائر المترتبة على هذا الدعم، بوصفه "الدواء المُرّ".

 

أغلب التوقعات كانت ترجّح أن يتخذ الرئيس قرار الرفع، مع تأجيل تنفيذه إلى ما بعد شهر رمضان الكريم، أي في الفترة التي لا يكون فيها مجلس النواب منعقداً، مما يسهّل تمريره. إلاّ أنّ الصورة النهائية لإخراج القرار والتحضير لتداعياته تحت القبة وخارجها، ستُحسم اليوم في حديث الرئيس مع المجلس، بانتظار الردود الأوّلية للنواب وللشارع على هذا القرار، بعد أن قامت الحكومة بنزع الشحنات الكهربائية الصاعقة المباشرة منه (بتثبيت الأسعار على 85 % من السكان، واستثناء الزراعة والصناعات الخفيفة والمتوسطة)؛ فيما إذا كان المجلس سيصعِّد، أم أنّ القرار سيمرّ بدون الإطاحة بالرئيس. هذا في الوقت الذي تذهب فيه تقديرات رسمية، غير معلنة، إلى أنّ القرار سيولّد ردود فعل في الشارع، وربما عمليات شغب، لكنّها لن تصل بأيّ حال من الأحوال إلى الحدود التي بلغتها غداة رفع أسعار المحروقات في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) العام الماضي.

 

بالعودة إلى "الدواء المُرّ"، وربما مع الرئيس حقّ في ضرورة تجرعه لتجاوز الأزمة المالية القاسية وتأمين النفقات الجارية، إلا أن سؤال المليون أمام رئيس الوزراء، والذي تطرحه شريحة واسعة من المواطنين، يتعلق بالنتائج التي ستنعكس عليهم. فعندما يريد "مريض" أن يتجرّع الدواء المرّ، يكون ذلك بأمل العلاج، فيتحمّل مرارته على أمل فوائده. لكن من الصعوبة إقناع المريض بتناول الدواء المرّ في حال لم يمنحه هذا الدواء أي إشارات بالشفاء، بل قد يزيد أعراض المرض والألم والمعاناة!

 

سياسات رفع الدعم عن الوقود والكهرباء، وربما غداً الطحين، بالرغم من آثارها القاسية على شريحة من المواطنين، ستكون مقبولة وينظر لها بإيجابية فيما لو أنّ نتائجها جاءت بعد فترة، بما يمثّل خروجاً من الأزمتين المالية والاقتصادية.

إلاّ أنّ النتائج العملية لهذا الدواء، كما يقول مواطنون، تتمثّل في ترحيل العلاج الحقيقي. إذ إنّ القروض التي سنحصل عليها ستزيد من حجم المديونية العامة، وسنبقى ندفع ثمن ذلك، في الوقت الذي تزداد فيه الضغوط الاقتصادية والمالية على الشرائح الاجتماعية الواسعة، وتحديداً الطبقة الوسطى، بسبب ارتفاع معدّلات التضخّم، وعدم وجود حلول ناجعة للبطالة والفقر، وغلاء الأسعار.

في نهاية اليوم، لا توجد "نقطة تحوّل" حقيقية في حالة "المريض" (الاقتصاد الوطني والظروف الاقتصادية)، ما يعني أنّ هنالك "حلقة مفقودة" في عملية صنع القرار والتفكير الرسمي. وهذه الحلقة تتمثّل في أنّ الحكومة تلجأ إلى الحلول التقليدية، بدون أن تفكّر جديّاً خارج الصندوق، وتطرح "حزمة متكاملة" من التشريعات والسياسات، ليست شكلية، لتمرير هذه القرارات؛ بل جوهرية لإحداث "فروق" حقيقية في المسار الاقتصادي، أو بعبارة أدق لتصحيحه وإصلاحه.

الحزمة المطلوبة، كما يكرّر الاقتصاديون دوماً، تتمثّل في تشريعات في قوانين العمل لحماية العمّال، وتقوية الآليات الرقابية والإدارية التي تتيح للدولة الحدّ من جشع بعض التجار، وإعادة هيكلة سوق العمل بما يمنح فرصاً حقيقية للأيدي العاملة الأردنية المعطّلة.

 

وعلى صعيد حماية الطبقة الوسطى، فإنّ هذه الحزمة تشمل جديّة حقيقية في مكافحة التهرب الضريبي، وإقرار الضريبة التصاعدية، وضبط الأسواق بصورة أفضل، ومنح الأولوية للاستثمار في المحافظات الراكدة.

 

الرئيس يتحدّث -في حقيقة الأمر- عن "مسكّنات"، لا عن الدواء المطلوب، والذي يحتاج إلى شروط سياسية وحوار اقتصادي عميق، لا وصفات جاهزة معلّبة يجرّبها الناس منذ سنوات بدون تحسّن يذكر عليهم أو على حالة الاقتصاد الوطني!

 

الغد

 

 

 

 
more