اتصل بنا ارسل خبرا
القدس العربي بدون عبدالباري عطوان!

 

fahed kheetan copy copy copy

 

اقترن اسم صحيفة القدس العربي "اللندنية"، منذ صدورها قبل ربع قرن، باسم الصحفي عبدالباري عطوان. ولم يكن متوقعا في يوم من الأيام أن يفترقا، إلا بالنهاية الطبيعية لشخص عطوان أطال الله في عمره. لكن رئيس مجلس إدارة الصحيفة ورئيس تحريرها أعلن أول من أمس، وعلى نحو مفاجئ، استقالته من "القدس العربي".

 

كتب الأستاذ عطوان مقالا وداعيا لقراء الصحيفة والرأي العام العربي، لكننا لم نجد فيه ما يجيب عن السؤال المهم: لماذا غادر عبدالباري عطوان صحيفة القدس العربي؟ وردت في المقال عبارة واحدة تفيد بأن ثمة شيئاً كان يُطبخ خلف الكواليس، وأن عطوان لم يعد شخصا مرغوبا فيه، بقوله: "هناك أطراف أخرى لعبت دورا بالدفع باتخاذ هذا القرار"؛ أي قرار خروجه من الصحيفة.

 

مقال عطوان لم يكشف حقيقة ما جرى، بل زاد الصفقة غموضا. الانطباع السائد عند عامة الناس هو أن "القدس العربي" مملوكة بالكامل للأستاذ عبدالباري عطوان، وكثيرا ما كانت توصف بصحيفة الشخص الواحد؛ فهل ما جرى حقا هو أن مالك الصحيفة ورئيس تحريرها قد تنازل عنها لمالك جديد؛ هكذا يفهم من سياق الكلام؟ أم ما يقال، وهو مفاجأة للكثيرين، من أن "القدس العربي" لم تكن في الأصل مملوكة لعطوان، وإنما لأحد الشيوخ القطريين، والأخير قرر "نفض" الصحيفة وخطها التحريري، وكان لزاما أن يغادرها رئيس التحرير لإنجاز هذه المهمة؟

 

في الحالتين، سيكون من المؤسف حقا أن "يتنحى" صحفي وكاتب مثابر مثل عبدالباري عطوان في هذا الوقت. ربما لا يتفق كثيرون مع مواقفه وانحيازاته، ومع خط الصحيفة الذي تعرض لاهتزازات مستمرة في العقدين الماضيين. لكن ذلك لا يقلل من أهمية تجربة "القدس العربي" ودورها في التأثير على الرأي العام، ومن مكانتها بين الصحف العربية المهاجرة.

 

كانت "القدس العربي" مثيرة للجدل دائما، وتحمل في خطها التحريري سمات رئيس تحريرها، وشخصيته، وتوجهاته. من هنا، يشكك المراقبون بقدرة الصحيفة على الاستمرار والمحافظة على حضورها العام في غياب عطوان عنها، لأن "القدس العربي" في الواقع لم تكن مؤسسة بالمعنى المتعارف عليه، بحيث تستطيع الاستمرار بدون أن تتأثر بتغير الأشخاص، كحال صحف كثيرة. لقد كانت وببساطة صحيفة عبدالباري عطوان.

 

وهذه واحدة من التجارب القليلة في عالمنا العربي؛ فهناك صحف ومجلات انتهت بمجرد وفاة أصحابها، أو عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتها المادية. وصحيفة "القدس العربي"، كما يعرف الجميع، لم تكن تجارية، ولم يسبق أن قرأت فيها إعلانا، وتعتمد في تغطية نفقاتها على جيب رئيس تحريرها، كما كان يؤكد زملاء عاملون فيها.

 

الحقيقة أن هذا النوع من التجارب الصحفية يضفي على المهنة طابعا حميميا خاصا، ويجعلها أكثر قربا لصاحبها وللعاملين فيها. الفرد "الصحفي" في المؤسسات الكبيرة يخضع في العادة لمنظومة معقدة من شروط العمل والإنتاج، لكن العمل مع دائرة محدودة من الأشخاص يمنحه الشعور بأنه أكثر قدرة على التأثير، وإضفاء لمسته الخاصة على محتوى الصحيفة ورسالتها.

 

يبدو أن زمن هذا اللون من الصحافة يوشك على الانتهاء؛ فلم يعد بمقدور شخص أن يقف في وجه طغيان المال، ولم يعد أمام أصحاب المشاريع الخاصة سوى اللجوء إلى صفحات "فيسبوك"، مثلما فعل عبدالباري عطوان.

 

 

 

 
more