اتصل بنا ارسل خبرا
إلى المحرقة!

 

abu rumman copy copy copy copy

 

بذل الزميل أحمد غنيم جهداً متميّزاً ومشكوراً (في تقريره في "الغد" أمس) راصداً أسماء الأردنيين الذين قتلوا في سورية خلال شهر تموز (يوليو) الحالي، وبلغ عددهم 36 شابّاً، وفق ما أعلنته السلطات السورية هناك. فيما تشير أوساط في التيار السلفي الجهادي إلى أنّ أعداد أبناء التيار وحده، الذين ذهبوا إلى سورية، تجاوزت الـ500، قتل العشرات منهم إلى الآن. وهي أرقام كبيرة ومقلقة فعلاً.

 

قصص كثيرة تروى عن شباب في مقتبل العمر، ذهبوا إلى سورية ولقوا حتفهم هناك؛ إمّا في القتال ضد جيش الأسد، أو في صدام بين الفصائل المسلّحة نفسها. منهم شباب في الجامعات الأردنية، كما في جامعات غربية، مثل عبدالله الخطيب الذي درس الطب خمسة أعوام في ألمانيا، قبل أن يسافر ليُقتل في سورية؛ ومنهم من ترك عمله وأسرته!

 

المشكلة أنّ أغلب هؤلاء من الشباب الذين يتصرفون بدوافع عاطفية، بدون إدراك ودراية عميقة بطبيعة المغامرة التي يقدمون عليها، وبرغم أنّنا نسمع باستمرار من الفصائل السورية المسلّحة المختلفة، ومن قادة الجيش الحرّ، أنّهم لا يحتاجون إلى مقاتلين من الخارج (فهم باتوا عبئاً على الفصائل هناك)، إنّما إلى دعم لوجستي ومالي وسياسي وإعلامي. وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى؛ بأنّ أغلب المتطوعين الأردنيين يذهبون بدون أسلحة ولا ذخائر ولا أموال، فلا يعطون أي قيمة مضافة حقيقية للمقاومة السورية المسلّحة.

 

ما هو أدهى وأمرّ من ذلك، هو أنّ غالبيتهم يتم تجنيدهم مباشرة مع جبهة النصرة أو الدولة الإسلامية في العراق والشام، وربما في أحسن الأحوال مع "أحرار الشام" أو كتائب الفاروق، ويكونون وقوداً لمعارك طاحنة، يُقدّمون فيها على الأغلب كـ"استشهاديين" يتقدمون الكتائب التي ينتمون إليها، وهذا ما يفسّر العدد الكبير من القتلى الأردنيين والعرب!

 

ومن المعروف في الآونة الأخيرة أنّ "القاعدة" دخلت في خلافات عميقة، سياسياً وعسكرياً، مع فصائل ثورية أخرى، ما يضاعف من حجم القلق بأن يذهب هؤلاء الشباب أيضاً في صدام عدمي، بلا معنى حقيقي على أرض الواقع، سوى خلافات أيديولوجية وتنظيمية!

 

ندرك تماماً أنّ غالبية هؤلاء الشباب يصنّفوننا؛ إعلاميين ومثقفين، ويضيفون إلينا كثيراً من الشيوخ والعلماء والسياسيين، في خانة العداء والكفر والتضليل.. إلخ. لكن هذا لا يعني التعامل مع قصة خروجهم إلى سورية ضمن الحيثيات والشروط الحالية، والتي لا تؤدي إلى أي نتائج إيجابية، وكأنّها أمر واقع نتغاضى عنه؛ بل على النقيض من ذلك، علينا القيام بجهود إعلامية ودينية وثقافية واسعة، بالإضافة إلى الجهود الرسمية المطلوبة، للحيلولة دون سفر الشباب الأردني إلى هناك، كما حدث سابقاً في العراق، وأماكن أخرى!

 

إذا كنّا لا نستطيع الوصول إلى "قلوب" هؤلاء الشباب، ولا إلى عقولهم مباشرةً، فمن الضروري أن نخاطب شيوخهم ومرشديهم الروحيين الذين يبررون الذهاب، ويقدمون الفتاوى له؛ فنحاورهم فكرياً وفقهياً لنسقط هذه الحجج ونضعفها أمام الرأي العام الأردني، ونقدّم خطاباً مضاداً لذاك الخطاب.

 

المطّلعون على الفقه يعلمون تماماً أنّ هنالك شروطاً وأحكاماً متعددة للجهاد، وليس الأمر "داشراً" كما يحدث حالياً. وحتى في داخل التيار الجهادي هنالك اختلاف واسع حول السفر إلى سورية ومبرراته، وجدواه!

 

صحيح أنّ أغلب، وليس جميع، هؤلاء الشباب من أنصار التيار السلفي الجهادي، إلاّ أنّ هذا لا يعني الصمت على هذه الظاهرة، والقبول بها كأمر واقع؛ فهم، أولاً وقبل كل شيء، مواطنون أردنيون، تتحمل الدولة ومعها نحن جميعاً، مسؤولية تجاههم. وثانياً، من حقهم على العلماء والمثقفين والإعلاميين أن ينصحوهم ويعظوهم، وأن يقوموا إلى أقصى مدى بواجبهم معهم حماية لهم من المحرقة!

 

 

 

 
more