اتصل بنا ارسل خبرا
لن يخرج من هذا التيس حليب!

 

fahed kheetan copy copy copy copy

 

أخيرا، تمكن وزير الخارجية الأميركي جون كيري، وبعد ست أو سبع جولات في المنطقة، من جمع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي على طاولة المفاوضات من جديد. لقاء أولي حميم بعد طول غياب، بين الوزيرة تسيبي ليفني وكبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات في واشنطن، سيُثمر عن دولة فلسطينية بعد تسعة أشهر!

 

الصراع الطويل والدامي الذي امتد لأكثر من سبعة عقود، سينتهي في غضون أشهر. وعبر محادثات سرية بعيدا عن أعين الجميع، يتوجب على المفاوضين من الطرفين حسم قضايا اللاجئين، والحدود، والمستوطنات، والقدس، والأسرى، وغيرها من الملفات الشائكة.

 

بقدر ما في منطق كيري من سذاجة وطيبة تعكسان رغبة شخصية بدخول اسمه التاريخ كصانع سلام في الشرق الأوسط، إلا أنه منطق ينطوي على خطورة بالغة. الإطار الزمني للمفاوضات كان على الدوام مطلبا للجانب العربي والفلسطيني، لمواجهة محاولات إسرائيل المستمرة التهرب من التزاماتها تجاه عملية السلام، وشراء الوقت لمواصلة سياسة التهويد والاستيطان للأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد تمكنت سلطة الاحتلال بالفعل من استثمار الوقت على أحسن وجه، ببناء المزيد من المستوطنات، ومصادرة الأراضي، وتقطيع أوصال الضفة الغربية، على نحو يجعل من إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أمرا في غاية الصعوبة. لكن هذا الإطار في ظل الوضع القائم اليوم يتحول إلى قيد يكبل الفلسطينيين، ويحدّ من قدرتهم على المناورة السياسية. ويُخشى أنّ حشر الفلسطينيين في مهلة الأشهر التسعة، سيفرض عليهم تقديم تنازلات كبيرة لإنجاز الاتفاق في المهلة التي حددها الراعي الأميركي؛ ولادة الدولة بعد تسعة أشهر.

 

وما يزيد من مخاطر الصفقة المحتملة، إصرار الجانب الأميركي على سرية المفاوضات، بما يحرم أصحاب الحق من أبناء الشعب الفلسطيني فرصة متابعة ما يجري في الغرف المغلقة، ومن ثم فرض الاتفاق السري عليهم بعد التوقيع عليه واعتماده دوليا.

 

لم يشهد التاريخ على حل لقضية وطنية بحجم القضية الفلسطينية بمعزل عن شعبها، والتعامل معها وكأنها مجرد خلاف تجاري بين شريكين يسوّى باجتماعات سرية.

 

عند مراجعة تقييم الأوساط الإسرائيلية لخطوة استئناف المفاوضات، يمكن للمرء أن يتوقع سقف النتائج. خلافا لموقف عريقات، المتحمس الدائم للمفاوضات باعتبارها مهنته الوحيدة في السلطة الفلسطينية، وكذلك طموحات ليفني الحالمة بالعودة إلى صدارة المشهد عبر بوابة المفاوضات، فإن أغلب السياسيين في إسرائيل لا يتوقعون شيئا من هذه المفاوضات. ونقلت صحيفة "يديعوت أحرنوت" عن مصدر مسؤول في أجهزة التقييم قوله: "لن يخرج من هذا التيس حليب. فلو أن وزير الخارجية جون كيري لم يتعامل مع ملف المفاوضات كمهمة شخصية، ما كان سيضغط في اتجاه استئناف المفاوضات. فهو يواجه انتقادات حتى داخل الولايات المتحدة لكونه ينشغل في ملف المفاوضات على حساب ملفات عالمية أخرى. وحتى الرئيس باراك أوباما لا يتدخل، وتراجع عن الموضوع عدة خطوات إلى الخلف".

 

لكن مواقف التيارات المتشددة في إسرائيل ضد استئناف المفاوضات لا تعني أن العملية الجارية تتعارض مع مصالح إسرائيل؛ أجواء المفاوضات ستوفر لإسرائيل الفرصة لمواصلة بناء المستوطنات بدون ضغوط من طرف الإدارة الأميركية، كما تساعد حكومة اليمين، بزعامة بنيامين نتنياهو، على تحسين صورتها المتدهورة في أوروبا، إضافة إلى إمكانية الانفتاح على دول عربية وإسلامية. وإسرائيل لن تخسر من فشل المفاوضات بعد تسعة أشهر؛ أقصى عقوبة ستتلقاها من الراعي الأميركي "إشارة" من اصبع كيري بأنها المسؤولة عن تعثر ولادة الدولة الفلسطينية.

 

 

 

 
more