اتصل بنا ارسل خبرا
طب الأسرة حول العالم

7u7u_15f3f.jpg


(لله درك أيتها الرعاية الصحية الاولية ما أعظمك) عبارة أخالني قلتها اول مرة في العام 1985 وما زلت أرددها مذّاك، وسأظل.. حتى آخر عمري.

في البدء، كان الطبيب العام قبل وبعد اعلان مبادئ الرعاية الصحية في ألماآتا 1978، هو العمود الفقري للرعاية الصحية الأولية التي احتضنت كذلك رفيقا آخر كان قد ظهر قبل بضع سنوات هو اختصاصي طب الأسرة فارتفع في افقها نجما واعداً يحمل راية الادارة والتدريب والتخطيط والتطوير في بحر تتلاطم امواجه الهاجمة من شتى الجهات، تثيرها وتدفعها ضد مبادئ الرعاية وفي عداء سافر للفقراء قوى السوق الحر (!) وجشع الصناعات الطبية المرافقة التي لا هاجس لها سوى الربح والمزيد منه حتى لو كان على حساب صحة الانسان أو نتج عنه إنكار لحقه في الحصول على العلاج للابلال من مرضه.. إن كان لا يملك مالاً !

وفيما يلي جولة خاطفة على محطات مضيئة واخرى قاتمة في دول مختلفة تقترب من تلك المبادئ او تبتعد عنها، لعل القوم يتعظون :

بريطانيا: في صيف 1987 كنت في لندن ضيفاً على وزارة الصحة البريطانية للاطلاع على مستجدات النظام الصحي فيها، وقد قمت بزيارة تفقدية لاحد المستشفيات المناطقية الصغيرة قليلة الكلفة التي أطلق عليها اسم Focus Hospital رافقني فيها احد كبار اطباء الوزارة من (Alexander Fleming House) ثم دعاني بعدها لتناول طعام الغداء في مطعم صغير على ضفاف نهر التيمز وكان من
الطبيعي ان يستمر الحديث بيننا استجابة لاسئلتي الكثيرة عن تطبيقات الرعاية الصحية الاولية هناك، وقد اسهب مضيفي في شرحه لدور طبيب الأسرة وكيف يشرف بالاضافة لوظائفه العديدة الأخرى على مرضاه المسنين داخل بيوتهم إذ يعودهم ويتابع حالتهم الصحية، وهو يقوم بذلك وسط أفراد العائلة الذين يعرفهم واحداً واحداً ويلاطف الاطفال الاحفاد الذين يحومون حول سرير جدهم او جدتهم، واردف يقول: لا تكلفنا هذه الخدمة المنزلية شيئاً يقارن بالنفقات الباهظة التي كنا نتكبدها باقامة المرضى المسنين في المستشفيات في جو لا يمكن مقارنته بالجو العائلي الودود واحتلالهم بدون داعٍ لعدد متزايد من الأسرة نحن في أمس الحاجة لها، حيث تُقدَّم لهم خدمة فندقية عامة لا يمكن الاطمئنان لها كما خدمة الأبناء والبنات أو الاخوات في المنزل، فضلاً عن تعرضهم وهم كبار السن ضعيفو المناعة، للاصابة بالعدوى المعروفة داخل المستشفيات، واضاف: لسوف تدهش ايضاً حين تعلم كم وفّر علينا هذا النمط من الخدمة الطبية المنزلية حين طبقناه على الولادة الطبيعية فقلصنا كثيراً التوجه المفرط وغير الضروري للولادة في المستشفيات آخذين بعين الاعتبار استمرار العناية بالحوامل في مراكز الامومة والطفولة والاستعداد الدائم لنقل (الولاّدة) الى المستشفى في حالات الطوارئ، ولقد ثبت لنا بالدراسات الاحصائية انخفاض نسبة المضاعفات الناشئة عن عدوى المستشفيات ومدى التحسن النفسي الملموس عند الأم حين تضع مولودها في بيتها وبين افراد عائلتها وخاصة بوجود اطفالها.

وللتذكير فلقد كان ذاك الحديث محصوراً بالرعاية التي تقدمها وزارة الصحة أي القطاع العام، أما في القطاع الخاص فما زال الاعتماد على المستشفيات في معالجة المسنين أو التوليد الطبيعي يتزايد باطراد.. رغم الكلفة الباهظة في الحالتين ودون مبرر!

وبعد.. فقد كان هذاهو الجزء الاول من المحاضرة التذكارية التي ألقيتها في المؤتمر الدولي العاشر لطب الاسرة الذي عقد الاسبوع الماضي في عمان، اما الاجزاء التالية فقد استكملتُ الحديث فيها عن جوانب متنوعة من السياسات الصحية التقطتها اثناء زيارات أخرى قمت بها الى كل من كوبا وتايلاندا وتونس وليبيا وايطاليا وكندا والولايات المتحدة قبل أن أعود في النهاية للحديث عن الوطن.. ولعل (الرأي) تنشرها كاملة في غير هذا الحيّز المحدود .







 
more