اتصل بنا ارسل خبرا
كانْت و علم الكون العقلي


yryytuyiuyiuiy_568e2.jpg


نَظَر الكلاميون الاسلاميون في المَلاءِ الكوني وفي ممكنات الوجود او المحدثات، واثبتوا «واجب الوجود» بما هو ضرورة عقلية. وكان لهم كلام في العِلل والاسباب، وفي الجزء الذي لا يتجزأُ. واوشك متأخرو المعتزلة ان يقيموا بناء نظريا شاملا في الكائنات.

ولعل الفيلسوف الالماني «كانْت» اكثر مفكري اوروبا عناية بهذه الموضوعات التي طرقها كلاميو الاسلام الذين افادوا بالضرورة من فلسفات الأُمم السابقة واقاموا انساقهم المعرفية الاصيلة، ووجهوا في تضاعيف ذلك نقدا عميقا لتلك الفلسفات في أُطرها العريضة وفي جزئياتها على حد سواء.

وان من اللافت للنظر ان «كانْت» يطرح فكرة «واجب الوحيد» على نحو ما طرحها كلاميو الاسلام، وقد جاء في مباحث كتابه المعروف نقد العقل المحض او نقد العقل الخالصي (انظر ايا م الترجمتين اللتين انجزتا لهذا الكتاب، وانظر الموسوعية الفلسفية لعبدالرحمن بدوي، الجزء الثاني) ما يؤكد ذلك، فهو يورد تحت عنوان «علم الكون العقلي» وما سماه نقائص العقل المحض كلاما يكاد يكون هو نفسه ما نقرأُه عند الكلاميين الاسلاميين، من ذلك قوله: «لو لم يكن في العالم شيء ضروري ابدا لما امكن تفسير التغير نفسه، لان كل تغير هو الناتج الضروري لبعض الشروط ويفترض اذن سلسلة كاملة من الشروط حتى اللا مشروط المطلق الذي هو وحده الضروري (الواجب) وهذا الموجود الضروري (الواجب الوجود) يجب ان يكون (ذا حضور فاعل) في العالم، والا لم يمكن تعيين الممكنات».

ونحن نلاحظ هنا قلق العبارة عند كانت ونزولها درجات عن مثيلاتها في العربية. والفقرة السابقة من ترجمة عبدالرحمن بدوي نقلها عن الالمانية مباشرة. ولهذا الامر دلالاته عند من يحترم تراث أُمته ولا يأخذه الانبهار بالاسماء الكبيرة ولمن يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال.

ومهما يكن من امر فان مصدر البحث الكوني او الرؤية الكونية او ما شئت من انظار تتعلق بالمشهد الكوني هو – بالدرجة الاولى – كتاب حضارتنا الاولى «القرآن الكريم» الذي يشتمل على ما يقارب خمسين صفحة في مشاهد الكون، فضلا عما فيه عن بدايات تشكيله ومن يقرأ «نهج البلاغة» المجموع من خطب واقوال الإمام علي يَرَ الى اثر القرآن في رؤية الإمام لتشكل السماوات والاراضين ويدرك ان للتجريبية العلمية في الاسلام اطارا شاملا وجذورا مؤكدة في القرآن الكريم نفسه.

إن مما لا ريب فيه ان الجهد العقلي المبذول لتصور بدايات تشكل المشهد الكوني على نحو ما جاء في نهج البلاغة انما يقع على المحور نفسه الذي تدور حوله التصورات العلمية الحديثة، اذ لم يتحدث الإمام عن شيء خارج عن تفاعلات مواد الكون الاولية وكيفية انفتاق اجزائها وانفهاق ابعادها وتشكل مداراتها. وذلك في ضوء آيات المشهد الكوني في القرآن.

على ان كل ذلك كان مشمولا بمعنى «الخَلْق» الذي تؤكده الاديان السماوية وبعض الفلسفات وهو معنى انتهى اليه التأمل الابراهيمي في النجوم والافلاك، وذلك بالتوجه الى «الذي» فطر السماوات والارض. او بتوجيه الوعي الى مستوى اعلى من من السببية، وبرؤية «واجب الوجود» الذي يعتبر وجوده ضرورة لتفسير الكون، وللحديث بعد صلة باذن الله.









 
more