اتصل بنا ارسل خبرا
هذه الحال العلائية



jyryfyfd_2ef0f.jpg



لا انفك ابحث عن اسباب ما يراه الناس عجيبا، فاذا هو لدى النظر مما يمكن تعليله. وما يمكن تعليله لا وجه للتعجب منه.

ينطبق هذا المبدأ (اي إبطال العجب بمعرفة السبب) على كثير من تناقضات حياتنا الاجتماعية والادبية والسياسية. وعلى ألوان المفارقات التي قد تحار في تفسيرها عقول كثير من أولي الالباب، ولا سيما اولئك المثاليين الذين يحبون أن تكون الاشياء والعلاقات كما ينبغي ان تكون عليه او المناطقة الذين يفجؤهم ان تتوافر المقدمات فتتخلف النتائج او ان لا تكون مقدمات وتكون نتائج مُعجبات..

ان المستوى الظاهر من الوقائع لا يُظهرنا على حقيقة ما هنالك. ومن يقف عند هذا المستوى سيظل في حيرة من امره. فاذا هو تجاوز هذا المستوى الى ما هو اعمق منه، رأى من شِباك العلائق وضروب الممكنات، ما يذهب ببعض حيرته. ووجد اجابات على كثير من تساؤلاته، وتبدت له قوانين للعبة الحياة (والحياة في كثير من جوانبها لعب ولهو كما جاء في القرآن الكريم) لم تكن ظاهرة من قبل، حتى اذا اوغل في كشف مستويات الواقع اصبحت الدهشة التي كان يجدها في نفسه ازاء الاحداث، والحظوظ، والاشخاص، نسياً منسياً، وتهيأ له ان يكون جَلْداً صبوراً على ما يبلو هو ذاته من موجبات الألم او ما يبلوه غيره. وان يقول مع ابي العلاء المعري:

وطال اعترافي بالزمان وصَرْفِهِ
فلست أُبالي من تغولُ الغوائلُ
فلو بان عضدي ما تأسّف منكبي
ولو مات زندي ما بكته الأناملُ

ونحن على اية حال لا نعزو هذه الحال «العلائية» الى موات الحس وتبلد الشعور ولكن نعزوها الى اتساع دوائر ممكنات الفعل الانساني، المقبول اخلاقيا وغير المقبول، بحيث يمكن وضع ما يستجد من افعال - قد تبدو غرائبية لأول النظر - في مواضعها من هذه الدوائر المتراجعة، وكذلك الامر مع المؤلمات الموجعات من تصاريف الأيام.

حتى في شؤون السياسة التي لا يضبطها منطق وتلتبس على نابهة الناس التباساً، فاننا، ولدى انكشاف ما كنا نجهله من حقائق، اثر الافراج عن وثائق تتعلق ببلادنا العربية، في الشرق او في الغرب، نكون قد امتنا دواعي العجب ازاءها، وقسنا ما يتعاظمنا من متناقضاتها على ما كان، ولكل نبأ مستقر..

لا سبب اذن للدهشة في عالمنا الأرضي ولا حدّ للفساد الذي ظهر في البر والبحر والفضاء. وما خفي امره اليوم فهو الى ظهور في الغد القريب، وحسبُك من شرٍ سماعه..





 
more