اتصل بنا ارسل خبرا
في كَبَد


kjjkb_7ba4f.jpg

لطالما شُغفت بأبي العلاء، واذا كان من شغف مدخله العقل ومأتاه التدبر فذلكم هو شغفي بحكيم المعرة الذي لو بُعث اليوم لرأى بلدته نهب البلى، ولرأى بلاده رهن البلاء..

لقد كان رهين المحبسين - وكم له امثال - مستوفز الشعور بشقاء الاحياء، ولا سيما بني الانسان الذين يذهب الجوْر فيهم صُعداً ونُزُلا، فما منهم الا ظالم او مظلوم، وما منهم - ان شئتم الحق - الا وهو متقلب في الحالين..
لقد تمثل ابو العلاء قول المتنبي - وكان معجباً به وشرح ديوانه:

صحب الناس قبلنا ذا الزمانا
        وعناهم من شأنه ما عنانا
وقوله من القصيدة نفسها
ومراد النفوس اهون من ان
        نتعادى فيه وان نتفانى
واستيقن ان مجمل التجربة الانسانية لمن يرى الى واقعها ومآلها انها «حياة عناء وموت عنا» وانها لا تعدو ان تكون سهاداً تتلوه رقده يستريح المرء فيها، كما قال في «سقط الزند»


ضجعة الموت رقده يستريح
        الجسم فيها والعيشُ مثلُ السهاد
او كما قال في اللزوميات:
وموت المرء نوم طال جداً
        عليه وكل عيشه سهادُ
واذا كان «السهاد» بين يدي برزخ يوصل الخلق الى ما يخلدون فيه، هو مختصر هذه الاعمار التي تتفاوت قصراً وطولا، فقد صح قول رهين المحبسين:


تعب كلها الحياة فما اعجب
        الا من راغب في ازدياد
ان حزناً في ساعة الموت
        اضعاف سرور في ساعة الميلاد


وصح ان البشرية في شقاء ما لم تضعْ في حسبانها انها لم تُخلق عبثاً او انها لا أفق لها سوى هذه الحياة الدنيا..
وصح قوله ايضاً
خُلق الناس للبقاء فضلّت
        امة يحسبونهم للنفاد
انما ينقلون من دار اعمال
        الى دار شقوة او رشادِ
غاية القول هنا ان على الناس ان ينتصروا على شقائهم بأمريْن متلازمين يفضيان بهما الى طمأنينة الأنفس في الداريْن، وهما: الايمان بالله سبحانه، والمواساة والارتفاق فيما بينهم على اختلاف السنتهم واديانهم واعراقهم..


ان الشعور العميق بشقاء الانسان او بأنه مخلوق «في كَبَد» كما جاء في كتاب الله العزيز، او كما حارت الجنة «أشرٌُ أريد بمن في الارض ام اراد بهم ربهم رشداً» كل ذلك مما يتلمحه المتدبر في شعر ابي العلاء ولا سيما لزومياته المشتملة على رؤية فلسفية للوجود قلّما انتبه اليها الدارسون..







 
more