اتصل بنا ارسل خبرا
الجيش الغائب


fgyyt_68d03.jpg


أين اختفى الجيش العراقي، السؤال لا يتعلق بالأحداث الجارية على الأرض حاليا والتقدم الساحق لقطعان داعش، ولكنه سؤال برسم الحيرة منذ نيسان ١٩٨٨، وتحديدا في مرحلة ما بعد معركة الفاو، يسهم في الاجابة على السؤال كتاب اصدره الفريق الركن سامي خفاجي وهو من رجالات الجيش العراقي المحترفين، بعنوان «التاريخ يتكلم: معارك الجيش العراقي 1948 - 2003»، ويفتح فيه الفريق مجالا واسعا للاستنتاج بأن الجيش العراقي اختفى عمليا من الوجود في مطلع آب 1990 مع دخول الكويت.


في كتابه المهم، يوضح الخفاجي أن الجيش العراقي كان معزولا عن عملية اتخاذ القرار بالتدخل في الجارة الكويت بعد أن تمت إزاحة مجموعة من قيادته لمصلحة بعض القيادات العسكرية في حزب البعث التي قامت بقراءة الموقف الدولي في فترة نهاية الحرب الباردة بصورة مغلوطة وانساقت وراء الطموحات الإقليمية للقيادة السياسية، وفي مفاجأة من العيار الثقيل ضمن شهادته، يؤكد الخفاجي أن بعضا من القيادات العسكرية العراقية علمت بغزو الكويت من وسائل الإعلام، ولم تكن ضمن المطبخ السياسي الذي اتخذ القرار الكارثي بغزو الجارة العربية.


ليس من المستبعد أن عملية تنحية القيادات المحترفة في الجيش العراقي لمصلحة الصف الأول من رجال البعث أتى نتيجة تخوف أن يتفرغ الجيش لممارسة دور وطني يواجه من خلاله الديكتاتورية المتصاعدة للرئيس صدام حسين، فجيش كبير كالذي بناه العراقيون في حرب الخليج الأولى 1980 - 1988 كان أثقل من أن يحتمل سياسيا واجتماعيا، وأتت معركة الكويت لتضع الجيش ضد عقيدته العسكرية والوطنية مع دخول الكويت، ومن يتذكر الصور الأولى التي بثت بعد دخول القوات الأمريكية للكويت سيخرج بانطباع أن الأسرى لم يكونوا عسكريين، ولم يكونوا أبناء الجيش المنتصر في حرب الخليج السابقة، وإنما مجموعة من المرتزقة من الفئات الأقل تعليما وتمدنا من المجتمع العراقي.


الجيش العراقي الذي تبخر سنة 2003، وانسحب بصورة موجعة قبل أيام، هو مجرد اسم لجيش لم يعد موجودا عمليا منذ أكثر من عقدين، جيش جرى تفكيكه وتدميره منهجيا وبصورة متواصلة لتجنب تحركه ليضع الجميع أمام مسؤولياتهم بعد مغامرة الكويت، وتاليا، التنازل المهين عن مكتسبات العراق في حربها مع إيران، بما يعني التفريط في دماء أكثر من ثلاثمائة ألف قتيل عراقي، تكبد معظمهم الجيش من أرواح شبابه (شيعة وسنة ومسيحيين وأكراد).


حكومة المالكي تهاونت في بناء جيش حقيقي، كل ما فعلته هو صفقات كبيرة للحصول على أسلحة ومعدات وملابس، ولكن دون روح أو عقيدة قتالية، فمشروع التقسيم يبدو أنه كان مستوطنا في ذهنية المالكي والبيئة السياسية التي يمثلها، والمالكي ينتظر اليوم، إما حربا أهلية تجعل التقسيم حلا لا مفر منه، أو الإبقاء على حالة التماس الحذر بين الكتلة السنية والشيعية، بحيث يصبح التقسيم أمرا واقعا بغض النظر عن الشكل القانوني والدستوري، المالكي ليس بحجم العراق، ولكن الوقوف بجانب العراق ضرورة وأولوية قصوى، وإلا فسيكون الانكشاف المرعب، فالنمور الإقليمية في أنقرة وطهران على مقربة من حدود الخليج والأردن، وهي لن تتردد في ذلك لحماية مصالح حقيقية أو مزعومة.


العراق دون جيش قوي هو جسد متآكل بلا عمود فقري يمكنه من الوقوف.





 
more