اتصل بنا ارسل خبرا
وتحقق الوعد!

shqqqaa_41ccc.jpg
يأتي إعلانُ الناطق الرسمي باسم تنظيم "الدولة الإسلامية"، أبي محمد العدناني، عن إقامة دولة الخلافة على الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم، منسجماً مع التطورات الأخيرة في العراق وتحقيق التنظيم لانتصارات عسكرية ميدانية كبيرة، وفي محاولة لاستثمار اللحظة الراهنة إلى أقصى مدى، بخاصة الصدع الطائفي في كل من سورية والعراق، وما ينجم عنه من حروب داخلية ذات أبعاد طائفية وعقائدية.

الهدف من الخطوة الجديدة يتمثل بدرجة رئيسة في تكريس الشرعية الدينية والفقهية لما يقوم به تنظيم "الدولة" في محاولة فرض هيمنته وبسط نفوذه على الأراضي التي تقع تحت يديه، وحربه الدموية مع أشقائه سابقاً، خصومه حالياً، "جبهة النصرة لأهل الشام"، ومعها الحركات والجبهات الإسلامية في العراق وسورية أيضاً.

تتوازى مع هذا الهدف أهداف أخرى، يتمثل أبرزها في سحب البساط من تحت أقدام "القاعدة" و"جبهة النصرة"، واستثمار انبهار أبناء التيار السلفي الجهادي في العالم بما حققه التنظيم خلال الفترة الماضية، لجذب أكبر عدد ممكن منهم إلى الفكرة الرومانسية التي تدغدغ مشاعرهم وتمثل حلماً لديهم، وهي إقامة الخلافة الراشدة، في محاكاة شكلية سطحية مضحكة لشروط إقامة الخلافة، من توافر بيعة "أهل الحل والعقد" لخليفة، وقتل أي شخص آخر يريد أن ينازع الخليفة الأول في الحكم، وهو ما يعني أنّ الشرعية لمن سبق!

ليست مهمة هذا المقال مناقشة أيديولوجيا هذا التنظيم، ولا رؤيته الفكرية وسلوكه الواقعي، لكنّ الإشارة هنا تكمن في مفارقة صارخة، تتمثل في أنّ هدف التنظيم المعلن وإعلانه للخلافة والدولة الإسلامية يتمثّل في دعوى حماية المسلمين (المقصود هنا بالطبع المسلمين السنّة)، والدفاع عنهم وقتال أعدائهم، وتحصيل أسباب القوة والمنعة لهم. وعلى هذا الأساس الوجداني يترك آلاف الشباب العرب والمسلمين (ولدينا من الأردن ما يزيد على 2000 شخص هناك) أهلهم ومنازلهم للقتال إلى جانب هذه التنظيمات، سواء كان تنظيم "الدولة" أم "النصرة".

وجه المفارقة أنّ ما يقوم به هذا التنظيم، عملياً، أشدّ فتكاً وتدميراً للمسلمين (وتحديداً السنة) مما يقوم به الأعداء كافة. وإعلانه الجديد إقامة الدولة الإسلامية، بمثابة تشويه آخر لمفهوم هذه الدولة وتكريس صورة همجية بائسة عنها، كما فعل أيضا وألصقه بمفهوم الجهاد والقتال، وحتى بصورة الإسلام والمسلمين.

فما هي صورة هذه الدولة التي تبدأ بالوعيد بقطع رقاب المختلفين فكرياً مع قادتها، وتنشر أشرطتها المصورة لعمليات الذبح والقتل والإعدامات الجماعية، حتى لأطفال صغار، وتطبيق نسخة مشوّهة عن الإسلام في المناطق التي تسيطر عليها!
بدلاً من أن يرتبط مفهوم الدولة الإسلامية اليوم بالعلوم والمعرفة والانفتاح والتقدم والمعاصرة الحضارة، والقدرة على دمج الدين بالديمقراطية، تصبح الصورة مرعبة مفزعة للقتل والذبح، مع خطاب بدائي سطحي حالم!

الأدهى والأمرّ أنّ جزءاً كبيراً من معارك هذا التنظيم وأتباعه هي مع المجتمعات المحلية والفصائل الإسلامية والوطنية الأخرى، بل أغلب القتال الدائر في سورية اليوم بينه وبين تنظيم القاعدة نفسه هناك، الممثل بجبهة النصرة؛ فضلاً عن الفصائل الإسلامية الأخرى. وسيتكرر المشهد في العراق قريباً، وهو الأمر الذي حدث سابقاً عندما اصطدم التنظيم بالفصائل الإسلامية الأخرى هناك في العام 2007.

الطريف في الأمر أنّ العنوان الذي اختارته قيادة التنظيم لهذا الإعلان هو "هذا وعد الله"! ولم يكن وعد الله ليتحقق على يد مثل هذا التنظيم والفكر، بل هو وعد مشؤوم مثل وعد بلفور؟!




 
more