اتصل بنا ارسل خبرا
العدو القابع في جهلنا



sdfqqq_a6c11.jpg
ليس هناك عدو أشد خطورة علينا من الجهل، فالعدو القابع في أعماق الأمة أكثر فتكاً بأبنائها ومستقبلها، من العدو الخارجي المعروف، فالجهل يكمن في كل مرض يصيب المجتمع وخلف كل مصيبة، تودي بثروات الأمة ومقدراتها، ويطيح بإنجازاتها ويهدم حضارتها، ويشوه صورتها.

ولذلك نستطيع أن نقف على حكمة الله تعالى عندما أنزل أول كلمة نطق بها الوحي على النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم: ((اقرأ))، حيث إن القراءة هي أداة العلم ووسيلة اكتساب المعرفة التي لا بديل عنها في عملية بناء الإنسان الصالح، وعملية بناء المجتمع والأمة، حيث إن عملية بناء الإنسان وبناء المجتمع من أكثر الأعمال تعقيداً وصعوبة، لأنها تحتاج إلى علم صحيح، وإدراك لسنة الكون، وفهم عميق لمكنونات النفس البشرية، وطرق التغير الاجتماعي، كما أنها تحتاج إلى وقت وتدرج وحسن تأنٍ.

من أشد أشكال الجهل وأنواعه خطورة هي تلك المتعلقة بالدين، حيث إن هذا النوع من الجهل أعمق أثراً وافدح ضرراً يلحق بالإنسان والمجتمع ومن أمثلة الجهل بنظرية الإسلام السياسي وتلك السطحية الموغلة بالسذاجة حول مفهوم «الخلافة» و»البيعة» والسلطة والشورى في الإسلام، وأصبح يتولى الحديث في هذه القضايا من لا حظ لهم في الفقه وأصوله، ولا صلة لهم بمقاصد الشريعة ومبادئها وقواعدها العامة، فضلاً عن مفهوم المحكمات والمتشابهات في الكتاب، ودلائل النصوص وإشارات اللغة، وقواطع الأدلة ومظنوناتها حتى غدا الدين ألعوبة بيد الجهلاء، في بيئة أهملت هذا الشأن، وأنتجت ضلالة عمياء مستشرية جعلت الشطار وتجار العبث يسطون على الفكر ويشوهون اسمه ومعالمه ولا يحترمون هيبته ولا يقدرون قدسيته.

الإسلام هو المصدر الرئيس لمنظومة القيم النبيلة الشاملة التي توجه الإنسان وتزكيه وتبني عقله ووجدانه حتى يكون قادراً على حمل الرسالة وأداء الأمانة، والقيام بدور الخلافة في الأرض وإعمار الكون، بعيداً عن الفساد وسفك الدماء، وبعد ذلك بناء الأسرة الصالحة التي تشكل المحضن السليم للفطرة ورعايتها وتنميتها وتزكيتها.

وامتلاك القدرات الكافية على مواجهة أعباء الحياة، بإيجابية وطريقة حضارية متقدمة على التقاط الخبرة البشرية وتنقيتها واستخلاص الحكمة واستثمارها في أعمال الخير والبر والعمران والسعادة والاستقرار والأمن والسلم الاجتماعي التي تهيىء لبناء المجتمع الصالح.

امتلاك القدرة على بناء المجتمع وفقاً لهذه الأسس، ووفقاً لمنظومة القيم الشاملة هي مهمة الدعاة والعلماء وأصحاب الهم العام، وبعد ذلك يتولى المجتمع بناء الدولة واختيار السلطة التي تعبر عن معتقداته وهويته وثقافته العامة، بعيداً عن استخدام الإكراه والعنف والقوة.

الخليفة هو اسم لرئيس الدولة الذي يختاره عامة العقلاء في الدولة وجميع المكلفين، وفقاً لمفهوم الاختيار من الأمة، ولا يقع اختياره على عاتق فئة قليلة من المجتمع ولا يقع على عاتق حزب أو جماعة ولا يملك أحد أن يفرض نفسه زعيماً أو رئيساً أو خليفة على الأمة، ومفهوم البيعة ينبع من مفهوم العقد بين الأمة والإمام، والعقد يعبر عن إرادة جمعية حرة لا يشوبها إكراه أو عنف أو قوة، وعند ذلك يبطل العقد وتبطل البيعة وتفسد الإمامة.

إن من يقول بإمامة المتغلب فهو محض اجتهاد ورأي لبعض العلماء في وقت تاريخي سابق، ولا يستند إلى دليل شرعي من قرآن أو سنة وهو برأيي اجتهاد خاطئ لا يجوز أن نجعله تشريعاً مقدساً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه يهدم مبدأ الاختيار الذي شكل محل الإجماع القاطع.

الإمامة أو الخلافة هي شأن عام للأمة كلها، لا يجوز أن يصبح مادة للتندر بفعل فئة قليلة من المجتمع، ومادة لتشويه الإسلام ومبادئه وقواعده وخاصة فيما يتعلق بنظرية الإسلام السياسية التي تمثل ذروة الفقه والفهم الأصيل بمقاصد الشريعة وفهم الواقع السياسي على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، وبطريقة عملية موضوعية عميقة، يشترك فيها كل علماء الأمة ومفكريها وأرباب الفقه، بالإضافة إلى الإلمام بعلوم الدنيا وكل ما توصل إليه العقل البشري.




 
more