اتصل بنا ارسل خبرا
العبادي: حكومة النسور ستمر على حافة الثقة

 

 

2009927big45853

 

أخبار الأردن-

كانت عقارب الساعة تتجه نحو السادسة مساء الأحد الماضي؛ وكانت زيارة الدكتور ممدوح العبادي في عيادته؛ لغايات استطلاع رأيه وغيره من سياسيين، في مسار حكومة الدكتور عبدالله النسور الثانية، التي تتقدم حاليا لكسب ثقة النواب  .
أبو صالح؛ كما يحب أن يُكنى؛ يعيش اليوم "استراحة محارب"، بعد قراره عدم الترشح للانتخابات النيابية الأخيرة؛ لكنه ما يزال يتابع أدق تفاصيل المشهد السياسي، وعلى وجه التحديد أعمال النواب تحت قبة المجلس  .
لحظة بدء الزيارة؛ سأل العبادي عما إذا بدأ الرئيس قراءة بيان الثقة؟ لتأتيه الإجابة أن هناك "شغبا نيابيا" تحت القبة؛ وأن احتمالات رفع الجلسة واردة  .
وتأكد رفع الجلسة، وانشغل العبادي الطبيب في البحث عن آخر أخبار "القبة  ".
تبينت أسباب "الشغب النيابي" وطالع العبادي مواقف النواب الذين بدأوا يتحركون تحت القبة؛ بحراك رأى أنه "غير سياسي". متسائلا عن "الدوافع التي تجعل النائب يصادر سلطته الدستورية، لصالح الاستعراض بحركات الجسد واللباس والمسلكيات  ".
العبادي، الذي عاصر ثلاثة مجالس نيابية، دخلها عبر بوابة الدائرة الثالثة في عمان؛ دائرة الحيتان، يقول إن أداء النواب "يجب أن ينسجم وصلاحياتهم، المنصوص عليها في الدستور"؛ كما أن النظام الداخلي لمجلس النواب؛ "يجعل النائب قادرا على الرد على الحكومة والتعقيب على كل ما يصدر عنها  ".
وحول أسباب زهد عمدة عمان الأسبق في الترشح للنيابة المرة الأخيرة؛ يقول "كان لا بد أن نترك للناخبين حرية الاختيار، من بين وجوه مرشحين جديدة، وعندها قد يقارنون بين الأفضل  ".
لا ينكر العبادي، الذي رفعت حملاته الانتخابية الثلاث شعارا واحدا هو "الوطن للجميع"، الكلفة السياسية والاجتماعية والمالية المترتبة على الترشح للانتخابات، ويذكرنا بأن "الانتخابات جرت مرتين في أربع سنوات" وهو ما يرهق أي مرشح  .
النقابي والحزبي، وصاحب التجربة السياسية المتخمة بالقصص والمواقف والحكايات، يتابع اليوم حركة المشهد السياسي، ولا يُنكر أنه محبط؛ فهو يعتقد أن   "ديناميكية الدولة" في الاستجابة لحركة الربيع العربي يجب أن تكون أنشط  .
لا يقلل العبادي من أهمية الإنجازات، التي تحققت على مستويات إصلاحية متعددة، لكنه يقول "كان بالإمكان مضاعفة الإنجازات من خلال منظومة الاستقرار السياسي والاجتماعي  ".
عن حكومة النسور الجديدة؛ يعتبر العبادي، وهو الوزير الأسبق، أن النسور "خانه ذكاؤه" في تشكيل حكومته الثانية، ولا يجد العبادي مبررا للنسور لاختيار "حكومة رشيقة بـ18 وزيرا"، ويتساءل: ماذا لو كانوا 20 وزيرا، كما في حكومته الأولى؟
أما فيما يتعلق بمجلس النواب، والحكم على أدائه في شهره الثالث؛ فيرى العبادي ضرورة انتظار ما ستكشف عنه الأيام، وهو يعتقد أن المجلس "يضم نوابا جددا؛ قد يشكلون نخبة سياسية جديدة، وعلينا عدم الاستعجال في الحكم على أدائهم  ".
العبادي ما يزال ينظر للنصف الممتلئ من الكأس؛ ويقول "ما نزال نملك الفرص لتجذير الحركة الإصلاحية، وإعادة تنظيم مطالبها وممثليها  ".
وباعتقاد العبادي، فإن الشارع اليوم سبق المؤسسات الرسمية، و"لا بد" للأخيرة أن   "تحتاط بالخطط والاستراتيجيات للتعامل مع سرعة حركة الشارع؛ وشدة تأثره بالأحداث التي حولنا  ".
وفيما يلي نص الحوار  : 

بداية، ما هي القبلة السياسية اليوم؛ كيف تقرأ المشهد الحكومي النيابي، وهل تعتقد أن حكومة عبدالله النسور ستخرج بالثقة من مجلس النواب؟
المشهد السياسي يزداد ضبابية، وصارت معه قراءة التنبؤات صعبة؛ وقد بلغنا في هذا المجال حالة من عدم القدرة على التحليل  .
في الماضي القريب، كانت الاتجاهات واضحة، وكان سهلا علينا متابعة خطوط الخريطة السياسية، وبالتالي التنبؤ بنتائجها أو محطاتها المقبلة، ولا أنكر من موقعي كنائب في مجالس نيابية ثلاثة سابقة، أن القدرة على التنبؤ والتحليل كانت تسهل علينا اتخاذ القرار الصحيح والذي يحقق المصلحة السياسية  .
في مجلسي النواب الرابع عشر والخامس عشر؛ وإلى حد ما في مجلس النواب السابق السادس عشر، كان بمقدور أي متابع أن يرصد حركة الحكومات، ولحظاتها الحرجة، والتدخلات الرسمية الأخرى فيها، كما أن حركة الإعلام، وتعاطيه مع نقد الحكومات أو مدحها، كان يسهل الأمر علينا في القراءة والتحليل  .
كل ذلك، كان يمهد لنا فهم طبيعة وانتهاء مرحلة حكومية وبداية أخرى، وحتى عن أسماء الحكومة الجديدة، كان باستطاعتنا التنبؤ، صحيح أن جلالة الملك عبدالله الثاني له آلية مختلفة عن الملك الراحل الحسين، رحمه الله، في اختيار رؤساء الحكومات، وهي آلية تعتمد على التأني في اختيار رؤساء الحكومات، ومن السهل أن تشعر بأن جلالته يكون في خاطره شخص رئيس الوزراء المقبل منذ فترة طويلة  .
كما أن جلالته يمنح حكوماته فرصا كثيرة، قبل أن ينفد صبره من سوء قراراتها وتخبط سياساتها، وللأمانة أقول إن الحكومات يجب أن تحاسب على سوء تقديرها في اتخاذ قراراتها وصنع سياساتها؛ لأنها بالفعل صاحبة ولاية في ذلك، ودعونا من المزاودة، فباستثناء القرارات السيادية، التي تتعلق بالأمن الوطني، فتكاد تكون الحكومات صاحبة ولاية على أعمالها  .
لكن ألا يتعارض هذا الطرح حول ولاية الحكومات، مع حالات مناقضة على الأرض، كما في تزوير انتخابات مثلا، أو التغول على صلاحيات الحكومات من أطراف رسمية أخرى؟
أنت تريد أن تتحدث عن التدخلات في تزوير انتخابات مجلسي النواب الخامس عشر والسادس عشر، وسأقولها صراحة، نعم جرى تزوير في نتائج الأولى، والتلاعب بنتائج الثانية، لكن قل لي: ماذا كان يمنع أي رئيس حكومة من وقف التدخلات؛ أو حتى إلغاء النتائج المزورة  .
نحن اليوم، كأشخاص ومؤسسات، ندفع ثمن ضعف رؤساء حكومات، وتغول بعض مديري مؤسسات على القرار السياسي، بعد مصادرته من أصحاب الولاية الدستورية  .
ولكن علينا أن نعترف بفضل الربيع العربي علينا جميعا، ففي وقت دخلت فيه دول فوضى ثورات الربيع العربي، وبعضها استحقت الديمقراطية، التي يحتاجها ويطلبها المواطن العربي، فإننا في الأردن صوبنا مسارا أعوج، وصارت مؤسساتنا تحسب ألف حساب لأي قرار غير شعبي، وتحترم وعي المواطن، وتخشى من تضليله أو عدم احترام عقله  .
إذن الدكتور ممدوح يصنف نفسه اليوم حراكيا؟
أنا لا أؤمن بتصنيف الناس؛ نحن جميعا مواطنون، ويجب أن يكون الأردن دولة مؤسسات، وهنا؛ فكلنا في خانة مصلحة الوطن، لأننا نحتاج لأن يستمر ويستقر هذا الوطن، لأنه باختصار لا بديل لنا عنه؛ وهو وطن يمشي في عروقنا، وليس فقط نمشي في شوارعه  .
صحيح أن الحكومات ضيعت فرصا كثيرة، وأنتجت سياسات مهترئة، ضاعفت من أزمتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وشوهت واقعنا كثيرا، لكن هناك إجماع، يجب أن نعظم التوافق عليه ونقدمه على باقي المهاترات، التي تجري هنا أو هناك؛ وهو الإجماع على شرعية النظام، وعلى ضرورة أمن وحفظ استقرار البلاد، وضرورة حفظ كرامة المواطن  .
ومن هنا؛ علينا جميعا أن لا نرخي سمعنا للكلام الفارغ، بأن هناك فرقا بين مواطن حراكي ومواطن ليس حراكيا، كلنا حراكيون لمصلحة الأردن وأمنها وخير مواطنيها  .
وأنت تنظر لأداء مجلس النواب؛ هل تشعر بالندم على قرار عدم ترشحك للمجلس السابع عشر؟
أقول بصراحة؛ أكثر أنواع العمل السياسي متعة وتأثيرا؛ هو العمل النيابي، فأنت من خلال مجلس النواب تستطيع أن تؤثر بالسياسات والتشريعات، ويجب أن نقر بمزايا السلطة الرقابية لمجلس النواب على السلطة التنفيذية، وهي مزايا دستورية ديمقراطية، أفتخر بأني مارستها  .
لكن لن أبالغ بالقول إن خوض الانتخابات لمرتين خلال خمس سنوات (2007-2012) هو أمر له كلف باهظة، اجتماعيا وسياسيا؛ وماليا  .
لكن الأهم من هذا، ومن وجهة نظري؛ هو أنني كسياسي أتابع المشهد المحلي والإقليمي عن كثب، أحتاج لاختبار وعي الناخبين بعد سنوات الربيع العربي  .
فكما تعلمون، دخل موسم الربيع العربي مطلع العام 2011، وكنا نوابا انتخبنا العام 2010، ولا بد من قراءة اتجاهات الناخبين بعد تأثرهم المباشر وغير المباشر بمشاهد الربيع العربي ورياحه  .
ولا أنكر استفادتي من فرصة مراقبة الانتخابات الأخيرة، أولا من حيث حركة المرشحين، سواء عن الدوائر الفردية أو القوائم الوطنية العامة، كما كان يهمني أن أتابع مدى اقتناع الناخبين بجدوى المشاركة السياسية في انتخاب ممثلين لهم، ومن سيختارون، ويضاف إلى كل ذلك متابعة أعمال الهيئة المستقلة للانتخاب، ومدى التزامها بتطبيق المعايير الدولية في إدارة مراحل العملية الانتخابية، ومدى اقترابها من تطبيق معايير النزاهة والشفافية  .
وماذا وجدت بعد متابعتك لكل ذلك؟
يجب أن نعترف، بأن المواطن ما يزال سلبيا حيال المشاركة السياسية، وهذا له أسبابه الكثيرة، ليس أولها ضعف وهشاشة التجربة الحزبية الحالية، وليس آخرها الإرث السيئ لانتخابات مجلسي نواب 2007 و2010  .
ثم ما تزال عندنا فجوات، يمكن من خلالها أن يصادر مرشحو المال الأسود فرص المرشحين السياسيين، أو أصحاب البرامج الاجتماعية الاقتصادية الهادفة، وكلنا تابعنا حجم التأثير السلبي لانتشار المال الأسود في بورصة الانتخابات الأخيرة، والنتائج التي جاء بها  .
لكن بصدق، ما يجعلني متفائل؛ هو التطبيقات الدستورية، من خلال الهيئة المستقلة للانتخاب، وهي مؤسسة رقابية مهمة، وأهم ما في أعمالها يجب أن تكون سلامة إجراءات ومراحل العملية الانتخابية من أي تلاعب أو تزوير  .
صحيح أن أعمال الهيئة لم تكن مثالية؛ وذلك لأسباب تتعلق بضعف الخبرة وحداثة التجربة، وقصور قانون الانتخاب وقانون الهيئة، لكن الصحيح أيضا أنه من الواجب أن نراكم على إنجازها، لنصل في نهاية المطاف لمؤسسة رقابية تحفظ خيارات الناخب في اختيار من يمثله، وحماية حرية رأيه من العبث أو التلاعب  .
هل سترشح نفسك في أي انتخابات قادمة؟
هذا أمر متروك لظرفه، وليس من الضروري الحديث الآن، عما ينوي الواحد منا القيام به غدا، لكن ما أستطيع تأكيده لك، بأني لن أبتعد عن العمل السياسي في أي موقع أكون فيه  .
بالعودة للحكومة والثقة ومجلس النواب، أين تتجه الأمور برأيكم؟
قلت لك إن التنبؤ بمسار الأحداث صار أمرا صعبا، لكن أعتقد أن حكومة النسور ستمر على حافة الثقة؛ وعلى الرئيس النسور أن يكون حذرا من أرقام الثقة هذه المرة، لأن الرقم يعني بالضرورة أن من ليس معك سيكون معارضة برلمانية  .
قطعا؛ لا أتحدث هنا عن مجلس نواب، تم انتخابه على أسس حزبية أو سياسية، لذلك قد لا يكون سهلا التنبؤ بتباين مزاج النواب من القرارات والسياسات الحكومية، لكن علينا أن نعترف أن النواب أيضا يتعرضون لضغط الشارع الغاضب والمحتقن، وهم اليوم يجارون قواعدهم الانتخابية، ولا بد من خطب ودهم، من خلال شدة نقدهم للحكومة  .
هل تعتقد بنضوج معارضة نيابية خلال أعمال مجلس النواب الحالي؟
قد لا تكون ناضجة تماما، لكن على النواب أن يهيئوا البنية التحية لإرساء تقاليد العمل الديمقراطي الصحيح، فمع معرفتنا بأن نواب اليوم لم يترشحوا على قوائم حزبية، ولم يأتوا محمولين على أكتاف الجماهير المتحزبة، لكن بإمكانهم البحث عن نقاط التقاء برامجي سياسي وأن يبنوا تحالفاتهم  .
وعندها قد يكون سهلا تطبيق القاعدة الديمقراطية، أي من ليس في الحكومة فهو معارضة، ومن هناك ستنشأ حكومة الظل، وهي حكومة معارضة؛ لكن ليست معارة عبثية، بمقدار ما هي معارضة ضرورية، لتصويب مسارات السياسات الحكومية  .
لقد ركز جلالة الملك في ورقاته النقاشية الثلاث على مبدأ تنظيم العمل الديمقراطي، من خلال توزيع الأدوار بشكل صحيح، وعلى النواب، أن يستغلوا تطورات الحياة السياسية، وينخرطوا في العمل البرلماني بشكل يخدمنا جميعا  .
لكن حكومة النسور ضيعت فرصة تشكيل حكومة برلمانية؟
قد يكون من الصعب جدا على النسور أن يشكل حكومة برلمانية، أو قد يكون عليه توزير 150 نائبا، فحتى الكتل البرلمانية هي كتل ليست مستقرة، ولا يربطها برنامج عمل، محدد المعالم والتفاصيل، فتوزير أي نائب في كتلة قد يفرط عقد الكتلة كلها، وأنت إن أرضيت نائبا، قد تغضب عشرين غيره. كما يجب أن ننتبه إلى أن عدد النواب المستقلين تحت القبة ما يزال عددا كبيرا  .
لكن ما أستغربه بحق، هو إصرار النسور، عند تشكيله حكومته الثانية، على توزير 18 وزيرا فقط، وإغفال معيار الجغرافيا والتخصص والخبرة لدى فريقه الحكومي، والدمج غير المهني بين الوزارات، وسؤالي الذي أطرحه: ماذا لو كان الفريق الحكومي مكونا من 22 نائبا أو 25، فهل سيتغير شيء على الحكومة؟
وهنا، أخشى أن لا يعين الفريق الحكومي الرئيس النسور في مواجهته الصعبة مع النواب في الدورة الحالية؛ وباعتقادي أن الرجل "خانه ذكاؤه" في اختياراته. أنا لا أنتقد أحدا بعينه؛ لكن أنتقد المنتج الحكومي النهائي، الذي قد يحد من فرص التعاون بين السلطتين، وتكامل الأدوار بينهما في المدى المنظور  .
هل أنت مع توزير النواب؟
لا يوجد هناك ما يمنع توزير النواب، ولنا في الديمقراطيات العريقة درس وعبرة، لكن قولوا لي: من سنوزر من النواب اليوم؟ وكيف لنا أن نرضي جميع النواب والكتل؟
المسألة معقدة؛ فمسألة النائب الوزير لا تتوقف عند قرار رئيس الحكومة المكلف؛ بل هي مسألة تحتاج إلى تعديلات جوهرية على قانوني الأحزاب والانتخاب، وعلى هذين القانونين أن يساعدا البيئات السياسية، في المشاركة والتفاعل، من منطلق القدرة على صناعة التغيير المنشود  .
لا يمكن مثلا لفوضى القوائم الوطنية، التي ترشحت في الانتخابات الأخيرة أن تصنع جسما برلمانيا قادرا على تشكيل حكومة برلمانية  .
كما أن مخرجات الصوت الواحد لن تأتي بكتلة كاملة تتوحد تحت قبة المجلس. أضف الى هذا كله أن قانون الأحزاب الساري ما يزال يعقد العملية الحزبية أكثر  .
وقبل هذا كله، علينا مناقشة المزاج الرسمي، الذي ما يزال متشنجا من أي حالة حزبية، ويرفض مشاركتها في المناصب العليا والمواقع المتقدمة، وأتحدث هنا، على وجه الخصوص، عن أحزاب المعارضة، وليس الأحزاب التي تأسست بقرار رسمي، ومدعومة من جهات رسمية، من هنا يجب أن نكسر هذه التابوهات في أذهان المواطنين، وعلينا أن نعترف بحاجتنا للأحزاب في الحياة الأردنية، وعلينا أن نعيد إنتاج دورها بطريقة عملية ذكية، تصوب كل التشوهات والاختلالات في الحياة السياسية  .
وقولوا لي: ماذا يمنع إن رأينا على مستوى الأجهزة الرسمية في الوزارات والمؤسسات الحكومية، أمناء عامين ورؤساء أقسام من كوادر الأحزاب، لماذا نعادي فكرة الموظف الحزبي، لماذا نتشنج منه، ونحن نعرف بأن مطحنة البيروقراطية أقوى من كل أيديولوجيات الأحزاب  .
ثم إن معايير المحاسبة الوظيفية هي قوانين وتعليمات وأنظمة وأسس معمول بها، وهذا يجعل التعامل مع سائر موظفي الدولة ضمن "مسطرة واحدة"، وبشكل يحقق العدالة والمساواة، ويلغي فرص الاستثمار السياسي للوظيفة العامة، أو تغول أي حزبي على العمل العام  .
دعونا نستغل الربيع العربي؛ ليس فقط في المسيرات وكيفية التعامل معها، بل دعونا نناقش بانفتاح كل التراكمات السياسية السلبية  .
فيجب أن نحفز الأحزاب على العمل الاجتماعي، ويجب أن نعيد إنتاج النخبة القائدة المؤثرة في المجتمع، ولكن على أساس تبادل المصالح، فالحزب الأكثر نفعا هو الحزب الأكثر شعبية، والحزب صاحب البرامج الضعيفة سيدير المواطنون له ظهرهم وسيضمحل حتى يتلاشى  .
المعادلة الحزبية في الدول جميعها معادلة سهلة، وتطبيقاتها مضمونة، لكن علينا أن نبدأ، ولا يقولن أحد: إن على الأحزاب أن تقدم نفسها؛ لأنه بدون تشريعات متقدمة، وبدون دعم فكري ووطني لها، وبدون إتاحة المجال والمساحة أمامها، فستظل الأحزاب على حالها، وسنبقى أسيري حالة الحزب الواحد، الذي يسيطر على المشهد الحزبي، ويحتكر عاطفة المواطنين تجاهه  .
ما هي توقعاتك لأداء مجلس النواب الحالي، وهل تجد أن المجلس خرج من أزمة الثقة؟
أعضاء مجلس النواب في وضع لا يحسدون عليه، فالمجلس في سباق مع الشارع الذي انتخبه، وهو الشارع الذي تقدم كثيرا خلال السنوات السابقة، وصرنا نلحق به بدون أن ندرك رضاه  .
وباعتقادي أن السبب الرئيس في أوضاعنا اليوم، هو بطء إدراك الحكومات لحركة الربيع العربي، وتأثيراته على المجتمعات  .
ولو كانت الحكومات السابقة استغلت الظروف والأحداث الإقليمية بطريقة صحيحة، واستثمرت في الربيع العربي، بشكل ضاعف الأرباح الوطنية، لكنا عظمنا ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية، وكنا في حال مختلفة  .
ولا أريد أن استعرض معيقات الإصلاح في الأردن، فنحن أول دولة عربية كنا نملك رؤية شمولية واضحة في الإصلاح، وهي الرؤية التي اكتملت منذ تسلم جلالة الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية، لكن هناك من أعاق تقدمنا؛ سمّهم ما شئت؛ حرس قديم قوى الرجعية، رجال "الأنالوج"، قوى الشد العكسي، العبرة في النتيجة؛ وهي أننا تخلفنا في تكريس منظومة إصلاحية قواعدها راسخة ونتائجها يتلمسها الجميع  .
إذن، هل تتوقع مغادرة سريعة للمجلس؛ أي أن يتم حله قبل إنهاء مدته الدستورية؟
على النواب أن لا يستسلموا لهذا الطرح، أمام مجلس النواب مهمات محددة، لو استطاعوا أن ينجزوها على أكمل وجه، وانحازوا فيها لمصالح المواطن فسيستمر المجلس  .
لأن معيار الحكم على المجلس ليس مشاركة الإسلاميين فيه أو مقاطعتهم له، بل المعيار الأهم والأساس هو مقدار ما يحقق أعضاء المجلس من منافع ومصالح عامة للمواطنين، وأن يستطيعوا التأثير في الناس وإقناعهم بأنهم نواب تشريع ورقابة  .
فلو انحاز المجلس للشارع عند مناقشته لمشاريع قوانين الضمان الاجتماعي والمالكين والمستأجرين وضريبة الدخل التصاعدية وقانون من أين لك هذا (وليس قانون الكسب غير المشروع)، وقانون الانتخاب والأحزاب، وجلس أعضاء المجلس لمراقبة موازنة الحكومة والرقابة على أدائها وقراراتها، وأفلحوا في ضبط النفقات العامة من خلال تجفيف منابع الفساد، وقطع نزيف الهدر في الأموال العامة، وسيطروا على ترهل الأداء الإداري المؤسسي، من خلال هيكلة خطة الهيكلة الحكومية، وخنق المؤسسات المستقلة، لما دون الـ15 % من حجمها الحالي، وتشاركوا في وضع خطة استعادة هيبة المؤسسات الرسمية، لدخل مجلس النواب السابع عشر التاريخ من أوسع أبوابه  .
وعندها سيسحب المجلس من الشارع كل المطالبات بحله، وسيدحض كل الاتهامات التي توجه لأعضائه، بأنهم نواب مسيرون لا مخيرون، وأنهم نواب "ألو  ".
سهل على المجلس أن ينقذنا جميعا، وأن يعيد لمسيرة الإصلاح زخمها، لكننا نخاف من هنات المجلس، وضعف خبرة بعض من فيه، وانتهازية آخرين، لذلك على الكتل النيابية أن تقوي جبهاتها، وأن تبلور تصورات جاهزة لمواجهة استحقاقات المرحلة المقبلة  .
أما أن يظل المجلس يدور في حلقة مفرغة، فهذا سيؤذي أعضاءه أولا، و سيؤذينا نحن كثيرا  .
برأيك هل نجحت إدارة المشاورات النيابية مع الكتل والنواب المستقلين، أم أنها تجربة لم تغير في واقع تشكيل الحكومات شيئا؟
العبرة بالنتائج، والنتيجة هي التي تقول إن المشاورات النيابية في اختيار رئيس الحكومة المكلف والفريق الحكومي قد فشلت  .
وإلا قل لي: لماذا يحتقن النواب اليوم على الرئيس، ولماذا يهاجمون الفريق الحكومي؟ فلو كانت المشاورات مثمرة وحقيقية وملزمة لطرف الحكومة، لكانت جلسات الثقة مرت بهدوء واسترخاء أكثر  .
الخطأ برأيك من يتحمله؟
جميع أطراف المشاورات  .
اليوم، باعتقادك ما هي أعظم التحديات التي تواجه المملكة؟
أهم التحديات هي استعادة الثقة المعدومة بين الشارع والمؤسسة الرسمية، وصار واجبا العمل على وضع خطة عمل واقعية ومحكمة وصادقة من أجل استعادة ثقة المواطن، فالحال اليوم ينذر بخطر كبير، إن استمر مسلسل التقليل من أهمية الثقة الشعبية، وإغفال أهمية تداركها سريعا   .

 

الغدحوار: محمد خير الرواشدة

 
more