اتصل بنا ارسل خبرا
تدوير النخب على مناصب الدولة .. وأزمة الثقة

 

Articl Photo.01

 

 

أخبار الأردن-

 

ليس سهلا إطلاقا على الشعب الأردني التخلص من بعض النخب الكلاسيكية من رموز الحرس القديم أو تلك الرموز التي تتمتع بقدرات خارقة على البقاء دوما في السلطة بصرف النظر عن تطلعات الشعب أو تقلبات الظروف الداخلية والإقليمية والدولية.

 

إصرار مؤسسة النظام على عدم تجديد الماكينة والتمسك دوما بوصفات البقاليات القديمة في الحكم وأدواته إنتهى بالأزمة الحالية وعناوينها المتعددة، تبدأ من عند مديونية تكاد تصل إلى ثلاثين مليار دولار وأزمة ثقة بين الحكم والمحكومين وتنتهي بغبار يعلو عشرات الوثائق الإصلاحية المرجعية التي تستقر بوقار في المتحف وتمر بطبيعة الحال بالسحب الدائم من رصيد النظام بين الناس.

 

عملية {عقم} غريبة تنتهك أوصال مؤسسات القرار بسبب الجلوس الطويل لبعض الأشخاص في مواقع الحكم والإدارة رغم إخفاقهم بكل اللغات والإيحاءات، وكل سياسي أو مسؤول أردني يجلس مستقرا على أحد كراسي اللعبة ينشغل قبل أي شيء آخر بالمهمة المقدسة وعنوانها: منع أصحاب الكفاءة او رموز اللعب النظيف من إقتحام المؤسسة أو إختراقها.

 

لذلك يعشش العقم في حلقات النخب الوسيطة، ولا تسمح بيئة العمل بتغييرات جذرية ولا تحصل خطوات إنتقالية محسوبة بدقة.

 

ولذلك ثمة حاجز دائم يمنع المسؤول أو السياسي الأردني من مساعدة خليفة أو بديل له، فيغلق احدهم كل المسارب على الشعب وخياراته ويجلس مسترخيا في عملية إمتصاص متواصلة لدم الشرعية وهيبة الدولة والمؤسسة من الواقع، فينتهي الأمر بمجموعة من البائسين يتحكمون بكل المشهد على طريقة الفيل الذي يسمح له بسحق كل أزهار الحديقة او تكسير كل الفخار المتاح في المكان.

 

إنها متوالية هندسية من الكآبة والإحباط دفعت الكثير من الأردنيين للبحث عن تعبيرهم السياسي لأول مرة في تاريخ دولة عمرها يزيد عن تسعين عاما بعدما كان النظام الحاكم هو التعبير عن تطلعات وأشواق الأردنيين السياسية.

 

عندما تكون حاكما في الأردن وتخطىء أو تخفق لا تنتهي صلاحيتك فالقوم الذين يختطفون المشهد والقصر ويتحكمون بمسارات الأمور يستطيعون تدبير موقع آخر لك بدلا من الموقع الذي أخفقت فيه حتى تواصل مشوارك المهني بإنتاجية عالية في دنيا الإخفاق وصناعة الإحتقان. وترتيب المزيد من القرارات والسياسات الخاطئة التي تدفع المواطن لممارسة اللطم يوميا.

 

إذا كنت سياسيا أو بيروقراطيا فيخدمك الحظ أو تقدمك على الجميع كفاءاتك في الإمتثال للأجهزة الأمنية أو قدراتك الهائلة على النفاق والتحصيل العلمي الرديء ستعلق مع مفاصل النظام والبيرقراطية والأمن الطاردة للكفاءة فتتوقف قدراتك الذاتية عن النمو ويختنق إبداعك وخيالك وتتحول إلى أداة يمكن نقلها من موقع إلى آخر ببساطة.

 

لذلك قد تكون عمان العاصمة الوحيدة التي يمكن أن يصبح فيها أحد الأطباء وزيرا للثقافة أو يتحول فيها وزير ثقافة إلى وزير داخلية والعكس أو يعلن وزير تربية وتعليم بصلابة عنيدة أنه يستطيع إدارة هذه الوزارة العملاقة، بما تبقى له من أهلية بدنية بنسبة 40 ‘ بعدما فقد بتقارير طبية حكومية 60 ‘.

 

إنها العاصمة الوحيدة التي يمكنك أن تقابل فيها وزير ثقافة مثلا يعبر عن أسفه لان الموظفين الملاعين في وزارته لم يبلغوه بأن المرحوم {بيكاسو} إنتقل إلى رحمة الله تعالى. أو وزير صحة يصر على تعطيل مصالح المواطنين لانه لا يستطيع إتخاذ قرارات بسيطة تحت طائل الخوف من الصحافة والبرلمان. أو رئيس بلدية يتحدث عن المديونية التي خلقها أسلافه فيسارع بنفس الوقت لتعيين أكثر من 2000 موظف من أقاربه وأبناء منطقته بعقود بإسم{ عامل وطن} وهي عقود تكفل لك راتبا وأنت تقيم في المنزل.

 

وفي عمان فقط وحصريا يمكنك أن تقابل وفدا إعلاميا يرافق الملك في زيارة هامة وتاريخية ومفصلية لواشنطن لتكتشف بان غالبية أعضاء الوفد لا يعلمون شيئا عن اللغة الإنكليزية وبعضهم في الواقع لا علاقة لهم بالعربية أيضا.

 

ويمكنك الإستماع لمخطط مالي سرعان ما تكتشف ان خبراته كمتقاعد في مجالات الحرب الكيماوية أو لتاجر عقارات متخصص بالشؤون الدبلوماسية أو لخبير في الدراسات الإكتوارية طلب منه التحول إلى وزير زراعة أو لشخصية إسلامية معتدلة طلب منها خدمة البلاد والعباد، إنطلاقا من منصب جديد بإسم السفير الأردني في تل أبيب.

 

إنها حالة. إمتياز دائمة لشعار{ الرجل غير المناسب في المكان المناسب}، في عمان فقط إذا كنت من {إياهم} وتتقلد منصبا إعلاميا رفيعا تستمع نفسك لكبار المسؤولين عشرات المرات وتبقى في حالة الإصغاء هذه إلى الأبد رغم إخفاقك الأزلي الواضح في إلتقاط الرسالة أو التعبير عنها.

 

وإذا كنت من إياهم عليك أن ترتسم على كل الطاولات الملكية وسيشتم الشعب رائحتك في كل الأروقة وبين كل تفاصيل المبادرات الخلاقة التي سرعان ما تسقط بسبب وجودك أو تكليفك بها عمليا.

 

وحتى تتحقق العدالة والتنمية والتطوير سرعان ما يشتم أبناء الأردنيين رائحة إبنك أو إبنتك بمجرد إستنفاد طاقتك او وصولك لسن التقاعد او تفرغك لسن الحكمة{في مجلس الأعيان تحديدا} فكل شيء متوارث في البلاد بما في ذلك المناصب والحقائب الوزارية، وعنوان أي عشيرة او قبيلة او محافظة دوما في الأردن يكون بالعادة بيتا او بيتين من القبيلة أما البقية فليذهبوا إلى الجحيم.

 

فقط بيننا نحن الأردنيين الذين أبتلينا بنخب النظام والمعارضة معا يمكنك أن تكون بأي موقع بصرف النظر عن خبرتك أو ميولك أو حتى مهارتك.

 

وإذا إبتلى الله مؤسسة القرار بأحد المهنيين أو المستقلين أو الأذكياء عليه أن ينشغل بمهمة مركزية هي {الإعتذار } دوما عن ذكائه وإستقلاليته وقدرته على التفكير وبكل الطرق واللغات..يحصل ذلك مع الإنشغال بطبيعة الحال بمهمة موازية تتمثل في تجنب المؤامرات التي تحاك ضدك فورا.

 

يمكنك أن تنجح بالثانوية العامة في الأردن بطلوع الروح وبالغش بعد تحطيم سيارة مراقب قاعة الإمتحان.

 

بعدها يتيح لك النظام مقعدا جامعيا على مقياس الإستثناء فتحصل على بكالوريوس بالواسطة قبل إبتعاثك لجامعة لا أحد يسمع عنها أويعرفها بالخارج لتعود إلى البلاد وتبحث فورا عن {منصب إداري} في إحدى الجامعات تكون وظيفته المركزية تهيئتك للوزارة بإعتبارها حقا للفاشلين فقط.

 

هي كما يقول خبير الإدارة الأردني المعروف أحمد الرجوب عملية {إعادة تدوير} لنفس الأسماء ولنفس العائلات أو لنفس الأدوات وفي علم إعادة التدوير تتعطل الفلاتر ولا تقوم بواجبها أحيانا وتتسرب بعض السموم مع المنتج ونسبة الإنتاجية تقل وتترسب العوالق وتنتهي العملية بعدم تدوير ما ينبغي تدويره.

 

وتنتهي عند ممارسات وقرارات إدارية غريبة تتميز في تحويل أي {مشكلة} مهما كانت بسيطة أو صغيرة إلى {معضلة} عصية على المعالجة او الحل.

 

لذلك ضربنا كشعب أردني رقما قياسيا في عدد الوثائق الإصلاحية التي إنجزناها مع كل ما يتطلبه المشهد من بهرج وطني وإعلامي قبل أن نوضعها في الرف فأنت لا تستطيع الإستفسار اليوم عن مصير وثيقة الميثاق الوطني أو الأجندة الوطنية أو وثيقة كلنا الأردن أو الأردن اولا أو توصيات لجنة الأجندة الوطنية…كلها مبادرات تشغل الأمة والناس ثم تتلاشى وتذوب.

 

*بسام بدارين/ مدير مكتب ‘القدس العربي’ في الاردن

 

 

 

 

 
more