اتصل بنا ارسل خبرا
الحروب بالموازنة: لا إنجاز يذكر وهناك نفقات مشكوك فيها

 

jornews830 205792072943780 843139427 n

 

أخبار الأردن-

 

ألقت النائب د. رلى الحروب مساء الثلاثاء كلمتها في مناقشة الموازنة العامة ، وتاليا كلمة الحروب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قال رسول الله (ص): "يد الله مع الجماعة". ولكن، كيف لنا أن نعمل كجماعة، ونحن ما زلنا جزراً معزولة، وما زالت الدولة تفتقر إلى وجود سياسة عامة مكتوبة تقود استراتيجاتها، وما زالت تلك الاستراتيجية العامة مفقودة، بحضور استراتيجيات منفردة لوزارات ووحدات مستقلة لا تعمل بانسجام وتناغم في غياب الخيط الناظم لخرزات العقد.

لقد تسلمت هذه الحكومة تركة ثقيلة، نعلم هذا، ولكنها تغادرنا بتركة أثقل، ولم تفلح كل سياساتها التي أسمتها تقشفية في خفض أرقام العجز المطلقة أو صافي رصيد الدين العام، بل زادتها، وخرقت هذه الموازنة ومن قبلها موازنة 2013 كل سقوف الدين العام كما ينص عليها القانون، وهي مخالفة دستورية صريحة.

 

لقد أجريت حسبة رياضية بسيطة كتلك التي تجريها أمهاتنا في إعداد موازنة البيت كل شهر، وأدرجت في الحسبة نسب التضخم التي اعترفت بها الحكومة في بعض القطاعات و التي وردت في تقرير اللجنة المالية، وتوصلت إلى أن الأسرة المكونة من ستة أفراد والتي كانت تنفق 800 دينار في عام 2012، أي أنها مستحقة للمعونة، قد ارتفعت نفقاتها الأساسية في عام 2013 بمقدار مائتي دينار، فهل زادت الرواتب بهذا المقدار، وهل يكفي بدل المحروقات لسد تلك الفجوة؟ أما إن أخذنا بالاعتبار الزيادات التراكمية الناشئة عن نسب التضخم خلال العقد الماضي، فإننا نصل إلى نتيجة مفادها أن الأسرة التي كانت تنفق ثمانمائة دينار بحاجة إلى 320 دينار إضافية فوق المائتين، أي خمسمائة وعشرين دينارا، أي أنها تحتاج أن يكون دخلها ألفا وثلاثمائة وعشرين دينارا كي تعيش في نفس المستوى.

النتيجة البديهية هي أن غالبية الطبقة الوسطى قد انزلقت لتصبح فقيرة ومعوزة، بعد أن استنفدت كل الحيل بدءا من بيع كل ممتلكاتها ووصولا إلى استنفاد كل أشكال القروض والسلف، وأنها أكثر المتضررين من سياسات الحكومات المتعاقبة، بدلالة ارتفاع اعداد المطلوبين للتنفيذ القضائي على خلفية قضايا مالية إلى رقم فلكي يتجاوز مائة ألف مواطن استنادا إلى افادة مدير سابق للتنفيذ القضائي.

الحسبة الرياضية السابقة لم تشمل رسوم التعليم العالي أو رسوم المدارس الخاصة، لأن هذه بحاجة إلى أينشتاين ليحلها ويفك رموزها، فكيف يمكن لتلك الاسرة ذات الثمانمائة دينار أن تعالج تلكما المعضلتين، علما بان ثلث الطلبة يرتادون مدارس خاصة وأقل من 20% يتلقون دعما في التعليم العالي؟!!!

مفاد ما تقدم أن الشعب الاردني بمعظم أفراده بات عاجزا عن تلبية احتياجاته في المأكل والملبس والمشرب والتعليم والتدفئة والتنقل والسكن، أي أنه سلب حقوقه الأساسية في البقاء والنمو، فعن أي موازنات نتحدث؟!!

في هذه الدقائق العشر التي لم يتبق منها الآن شيء، أشير إلى أنني أؤيد معظم ما ذهبت إليه اللجنة المالية في تقريرها التحليلي وفي التوصيات، وأثمن جهدها النوعي والكمي، وسأكتفي هنا بالإشارة إلى الفوارق بين الوعود التي تضمنها بيان الثقة الوزاري والنواتج كما تعكسها موازنة 2013 الفعلية.

من تلك الوعود التي لم تتحقق مقارنة بالبيان الوزاري ثمانية أجملها بما يلي:

1. ارتفع الدين العام في موازنة 2013 بمقدار 2.6 مليار دينار، ثم وها هو يرتفع مجددا في موازنة 2014 إلى 21.3 مليار دينار، أي أنه قفز في عامين فقط بمقدار 4.7 مليار دينار، فهل هذا هو تخفيض الدين العام الذي وعدت به الحكومة ؟

2. ارتفعت نسبة هذا الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي من 75% إلى 82.3%، وهي تتوقع تخفيضه في 2014 إلى 80%، ولكنها في كل الأحوال لم تف بوعودها بإعادته إلى الحدود الآمنة امتثالا لقانون الدين العام.

3. زاد الاقترا ض بما يقرب من ملياري دينار، وزادت خدمة الدين 300 مليون دينار، فلماذا إذا كل هذه الإجراءات القاسية التي أفقرت الشعب وأضرت بالتجارة والصناعة والزراعة والسوق المالي؟!

4. وعدت الحكومة بزيادة نسب النمو العام، ولكنها انخفضت إلى 2.8%، وهو من أدنى المستويات منذ عقد من الزمن.

5. وعدت بخفض عجز الموازنة إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي، ولكنها أوصلته إلى 4.3% في عام 2013، وتعد بإيصاله إلى 4% في 2014. صحيح أن أداءها هنا أفضل من ثلاث حكومات سبقتها، إلا أنها وعدت، ومن فمها أدينها.

6. وعدت بزيادة الإنتاجية ولكن قطاعات الإنتاج السلعي والخدمي في القطاع الخاص نمت بنسب خجولة في مجملها، في حين ان إنتاجية القطاع العام بذراعيه عبرعنها عجز الموازنة البالغ 2.233 مليار دينار!!!

7. تراجعت الصادرات الوطنية بنسبة 1% وارتفعت المستوردات بنسبة 5.9% بعكس ما وعدت به الحكومة.

8. ارتفع عجز الميزان التجاري بنسبة 11% ، وانخفض صافي مقبوضات الخدمات الحكومية بنسبة 32%، بعكس وعود الحكومة.

ثم أتوقف مجددا أمام الفوارق بين أرقام التقدير وإعادة التقدير في موازنة 2013 لأخلص منها إلى أن الكثير من تقديرات موازنة 2014 في الايرادات ستواجه بالإخفاق ذاته غالبا، في ظل استمرار الانكماش، وفشل الحكومة في دفع دورة الاقتصاد إلى الأعلى، إلا إن خرجت علينا بمزيد من الضرائب والرسوم لسد فجوة توقعاتها، وهو ما نرفضه بالمطلق.

من تلك الأرقام التي شهدت فروقا ملموسة، أتوقف أمام أربع ظواهر :

1. انخفضت ضريبة الدخل على الأفراد والموظفين والشركات المساهمة العامة في عام 2013 بين التقدير وإعادة التقدير بمقدار 74 مليون دينار، وهذا يعزى إلى أن الكثيرين فقدوا أعمالهم في القطاعين العام والخاص جراء السياسات الاقتصادية المعمول بها، وأن عدم تطبيق معايير الحوكمة وعدم تشكيل لجنة لدراسة اوضاع الشركات المتعثرة بالاضافة إلى الانكماش الاقتصادي الذي تتحمل مسؤوليته الحكومة بنسبة كبيرة قد أدى إلى تراجع أرباح بعض تلك الشركات وتعاظم خسائر بعضها الآخر.

2. انخفضت المبالغ المتحصلة مقارنة بالمقدرة لضرائب السلع والخدمات بمقدار 117 مليون دينار، بسبب الانكماش وقلة السيولة وضعف القوة الشرائية، وهو ما حذرنا منه سابقا حين قلنا إن تراجع الدخل الفردي الحقيقي سيضعف القوة الشرائية وينعكس سلبا على معدلات النمو.

3. تراجعت الايرادات غير الضريبية بمقدار 150 مليون.

4. تراجعت الضرائب على السلع المستوردة بمقدار 44 مليون في حين أن الرسوم الجمركية على تلك السلع زادت بمقدار شبه مساو هو 43 مليون؟ ما هو تفسير هذه الأحجية يا ترى؟

وإن كانت الحكومة قد أخطأت في تقدير إيراداتها بمبلغ يتجاوز 300 مليون، فكم سيكون الفرق في التقدير في عام 2014، مع ملاحظة أن الخبراء المحافظين يؤكدون جميعهم أننا لن نتجاوز تبعات التباطؤ الاقتصادي قبل الربع الأول من عام 2015.

إن شطارة الفريق الاقتصادي تكمن في التنبؤ بالايرادات، وليس في حساب النفقات، مع الاشارة إلى أن النفقات الواردة في موازنة بعض الوحدات الحكومية من مثل سلطة العقبة مشكوك فيها، بعد ما كشفه الزميل الرياطي من وجود بنود وهمية من جهة، وإنفاق يتجاوز المرصود له في بنود أخرى من جهة ثانية، وهو ما يطرح علامة استفهام كبرى حول صحة النفقات الواردة في موازنة هذه الوحدات!!

إنني أجد عدم اتساق واضح في تقديرات النمو والتراجع والتقدير وإعادة التقدير، وكأنها خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم، كما أن زيادة المنح الخارجية جراء رضا صندوق النقد الدولي عن موازنتنا وسياساتنا الاقتصادية إنما يؤكد التقييم السطحي الذي يقوم به ذلك الصندوق، ويعزز المطالبة بأن لا يكون هو مرجعيتنا في قيادة دفة اقتصادنا الوطني، فأهل مكة أدرى بشعابها.

كان هناك زمان نجحت فيه الحكومات الاردنية في تمويل كل نفقاتها الجارية من إيراداتها المحلية، ولكن هذه الايرادات لا تغطي إلا 75% من نفقاتنا الجارية حاليا، وهناك وعود بتغطية 86% منها في 2014، إلا أن المطلوب هو تغطية 100% لنقول إن لدى الحكومة إنجازا اقتصاديا حقيقيا.

وهنا أطرح سؤالا جوهريا: لماذا تراجعت حصة الخزينة المقدرة من مشاركتها في عائدات شركات الاتصالات في عام 2014، ولماذا لم تحسب عائدات تجديد رخصة أورانج في الموازنة؟!!

وأطرح سؤالا ثانيا حول بورصة عمان، فلماذا توقعت الحكومة تراجع عائداتها من هيئة الاوراق المالية ومركز الايداع والبورصة، في حين أنها تعد بالازدهار في عام 2014؟ وهل يقاس الازدهار إلا بتعافي السوق المالي الذي هو مؤشر صحة أي اقتصاد؟ إن هذه التوقعات تعكس تنبؤا بمزيد من التراجع في البورصة، وهذا أمر خطير، ويناقض ما تروج له من أن الاقتصاد سيمتص الصدمات السلبية لارتفاعات الكهرباء والضرائب والرسوم في الربع الاول من 2014!!!

وأوجه سؤالا ثالثا حول الاسباب التي حدت بالحكومة إلى استخدام احتياطيات مؤسسة المواصفات والمقاييس وتحويلها ضمن فائض المؤسسة؟ هل هو لذر الرماد في العيون؟!!!

وسؤالا رابعا حول الايرادات المتوقعة للوحدات الحكومية، فهذه تأتي بالزيادة، في حين أن الفوائض المالية المفترض تحويلها منها للخزينة تأتي بالنقصان، أي أنها ترفع إنفاقها عامدة لتخفض من فوائضها المحولة للخزينة، فلماذا يا ترى؟ وهل يعقل أن تدعمهم الحكومة بـ 268 مليون دينار كي يحولوا للخزينة 117 مليون دينار؟ أي عبث هذا؟

ثم أوجه سؤالا خامسا، فهل يعقل أن يزيد الانفاق الجاري للوحدات الحكومية في عام 2014 بمقدار 23 مليون لتولد لنا 362 وظيفة جديدة فقط؟ أي استثمار هذا؟!!!

وإن كنت احيي هيئة تنظيم قطاع الاتصالات التي ترفد الخزينة وحدها بأكثر من 50% من رصيد الفوائض المالية للوحدات المستقلة، فإنني أتساءل عن سلطة العقبة العتيدة..أين إسهامها في الفوائض؟ إن العائد المالي المتواضع الذي تقدمه للخزينة يؤكد وجود خلل إن لم يكن فساد!!!

وفي ظل المعادلات المالية الفاشلة لحجم الإنفاق بشقيه الجاري والرأسمالي والذي يتجاوز الثماني مليارات دينار مقابل حجم التشغيل والتنمية فإنني أقترح على الحكومة أن تبدأ بخصخصة نفسها، فلو كانت هذه الأموال بيد القطاع الخاص الوطني الناجح لشغل أضعاف الأعداد من الاردنيين ولكانت الإنتاجية أعلى والاستثمارات منتجة وتمنوي مدرة لدخل مستدام!!!

وزاراتنا ووحداتنا الحكومية المستقلة مع الاسف في معظمها هياكل مكلفة غير منتجة وهي عبء رهيب على جيبة المواطن التي تنزف دما، وقد آن الأوان لإعادة التفكير في إدارة الدولة عبر هيئات أو وزارات ومنع الازدواجية في كثير من ميادين الإدارة عبر تقييم شامل يُحـِل الوحدات محل الوزارات في القطاعات التي أثبتت فيها الوحدات المستقلة نجاحا، ويستبدل الوزارات بالوحدات حيثما أثبتت الأخيرة فشلا، إذ لا يعقل على الإطلاق أن دولة صغيرة كالأردن تديرها 95 وحدة ووزارة!!!! هذا وحده يعلل الفشل الذريع في إدارة موارد الدولة!!!

مع الاسف الشديد، فإن رأسمال هذه الحكومة ينحصر في سمعة رئيسها ونظافة يده، وهمة بعض الوزراء، وحرص الأردنيين على أمن وطنهم، وما عدا ذلك، فلا إنجاز اقتصادي يذكر، وإن كانت هناك بعض الإنجازات الإدارية والقانونية.

وأخيرا، شكرا لأبنائنا وأشقائنا في الخارج لأن صافي تحويلاتهم الجارية قد ارتفع بنسب تقارب فجوة تمويل العجز لدى الحكومة، أي أنهم ينجزون في الخارج ما تعجز الحكومة عن تحقيقه في الداخل، وشكرا لسياستنا الخارجية لأنها أثمرت زيادة في المساعدات والمنح والقروض، ولكن سياستنا الداخلية لم تفلح في توظيفها بشكل مثمر.

وكي لا نكون متجنين فإننا نثمن الحفاظ الصوري على سعر صرف الدينار، في حين انخفضت قوته الشرائية فعليا، ونثمن زيادة احتياطيات البنك المركزي الأجنبية، رغم تصريحات الرئيس المتضاربة التي دفعت المستثمرين إلى تحويل ودائعهم بالدولار، ثم أعادتها بالدينار، ورغم أنها أفادت الخزينة إلا أنها أضعفت ثقة المستثمر بالاقتصاد الوطني، ولكننا نتحفظ على انخفاض الأصول الاحتياطية من النقد الاجنبي والاوراق المالية لدى البنك المركزي، وإن كنا نثمن ارتفاع بنود استثمارات المحافظ.

نثمن أيضا ارتفاع حجم الودائع لدى البنوك المرخصة وحجم التسهيلات الممنوحة للقطاع الخاص، مع تسجيل تحفظ على السياسة المالية المتواصلة بالاحتراز من جهة وفرض فائدة مرتفعة على الاقتراض ومنخفضة على الايداع، والاستمرار في الاقتراض من البنوك المحلية من جهة أخرى، والتي ما زالت تسحب السيولة من السوق وتقضم 40% على الأقل من احتياطي البنوك، وتزاحم القطاع الخاص على القروض.

وأطالب الحكومة بتحضير موازنة قطاعية للعام المقبل، فلا يهم نواب الشعب معرفة إنفاق الوزارات والهيئات على أعمال إدارية غير منتجة لا تلبي طموحات الاردنيين، ما يهمنا هو معرفة حجم الإنفاق الملبي لحاجات الشعب بفئاته وشرائحه المختلفة، من مرأة وطفل ومسنين، وشباب، وذوي إعاقات، وموهوبين وباحثين...

ما يهمنا هو معرفة كم أنفقنا على التعليم العالي مثلا، وهل وفرناه بكلف معقولة ضمن طاقة الافراد العاديين، استجابة لالتزاماتنا تجاه العهد الدولي للحريات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أو هل وفرناه بكلف رمزية استجابة لرغبة شعبنا، وأسوة بدول الجوار، وبعضها أفقر منا.

ما يهمنا هو رفع موازنة صندوق الطالب الجامعي وتوفير منح وقروض بدون فوائد للمتفوقين والمحتاجين، سواء بسواء.

ما يهمنا هو تأمين صحي شامل لكل الأردنيين، وصندوق لتمكين المرأة والأسر الفقيرة اقتصاديا، يمول مشروعات كبرى ومتوسطة وصغيرة بفوائد متدنية وطويلة الأجل، ويتم من خلاله تأجير أراضي الدولة تأجيرا تمويليا للراغبين في استثمارها في مشاريع إنتاجية.

 

ما يهمنا هو ما أنفقناه لتحويل طوابير العاطلين من منتظرين لفرص العمل إلى مولدين لها.

ما يهمنا هو نسبة قضائنا على الفقر وجيوبه، التي تحرم مواطننا من كل حقوقه المدنية والسياسية وليس فقط الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

هذه هي الموازنة التي نريدها، وهو ما لم أجده في هاتين الموازنتين، ولذلك أعلن ردهما من هذا المنبر.

 

والله من وراء القصد .