اتصل بنا ارسل خبرا
مخيم الزعتري وحكاية الحقائب المجمركة

 

 

jpg_fbu4.jpg

 


تكاد تسجل أمواج النازحين، واللاجئين، والمهجَّرين، والمشرَّدين في شتى بقاع الأرض، علامة فارقة في خريطة الإنسانية جمعاء، ووصمة عار على جبين طواغيت المال، والسياسة، وأباطرة الحروب...

بعيداً عن العوامل الطبيعية، كأحد الأسباب الوجيهة لتدفق تلك الأمواج، من الكتل البشرية، التي تقطر ألماً... وحزناً... وموتاً... فإن العوامل السياسية، والحروب العسكرية، تعد قاطرة الأسباب، التي تدفع الناس إلى اجتياز الحدود، ومغادرة أوطانهم، واللجوء إلى أوطان الغربة والإغتراب...

وارتداء أثواب المهانة، ومعاقرة كؤوس الموت بالمجّان، مع دقّ أول وتد في أرض المنفى؛ لبناء (خيمات) التنابز بالأوجاع، والتهام (سفّود) الأمل:

"وتلفتتْ عيني ومذ بَعُدتْ               عني الديار تلفت القلبُ"

إن (مخيم الزعتري) يعد واحداً من مخيمات أمهات الوجع السوري، الذي تمدد كالنهر في عدة بلدان، حافراً أخاديد في الذاكرة العربية، الملبدة بالهزيمة، والفوّاحة برائحة الدم الطازج، والمبرّد في ثلاجات الردة الحضارية، والنكوص المُسيَّس...

هذا المخيم عندما داهمته السيول، وطوَّحت الرياح بأقمشته بعيداً في الأفق، بكينا أطفاله، الذين نهشهم البرد، وعضهم الجوع، وهصرتهم يد الموت...

وتوردنا خجلاً من أنفسنا، عندما انكشفت عورات نسائه، وجافانا النوم، عندما حزّوا بأنينهم الحاد في جوف الليل، شرايين عيوننا، التي كانت تغطّ في وهْدَة الأحلام المتيبسة في عروق ليلنا الملطّخ بأصوات المدافع، وهي ترش الموت فوق مدنهم وقراهم، التي لفظتهم إلى العراء...

هؤلاء إخوتنا في الدم، واللغة، والتاريخ، والعقيدة، والجرح، حملوا وطنهم (داخل حقائبهم) وفرّوا به، وبأبدانهم، وأرواحهم، عابرين نحو المجهول... نحو التسوّل... نحو الثلج... نحو الإغتصاب المُشرعن... نحو أسواق السماسرة...   نحو  الخلاص خارج أسوار العدالة... نحو الموت المؤجّل...

هؤلاء إذا ما التقيناهم يوماً ما وجهاً لوجه... وخيمةً لخيمة... وقهراً لقهر... وخريفاً لخريف... وذعراً لذعر... وعورةً لعورة... وفقراً لفقر... وجوعاً لجوع... وبرداً لبرد... وموتاً لموت... وحقيبةً لحقيبة...

إذا ما التقيناهم  – لا قدّر الله –  وأردنا فتح (حقائبنا...) فهل نجد الوطن؟!!

 

 

خيارات الصفحة