اتصل بنا ارسل خبرا
وزير شجاع

 

abu rumman

 

يخرج قرار وزير الأوقاف محمد نوح القضاة، بإعادة الخطباء الممنوعين من الخطابة، ومنهم أغلبية من جماعة الإخوان وقياداتها المعروفة، من سياق "صفقة" بين الحكومة والجماعة؛ إذ لا تشي الأجواء بذلك مطلقاً. ومن ثم، فإن هذا القرار لا يدخل إلا من باب واحد فقط، هو أنّنا أمام وزير يحترم نفسه، ويمتلك استقلاليته، ويطبّق قناعاته وقراراته حتى لو كانت لا تحظى بقبول مراكز القرار المختلفة!
أعجبني كثيراً حديث القضاة مع الزميل محمد الوكيل أمس، وهو يفسّر أبعاد هذا القرار؛ بأنّه شعر بألمٍ شديد عند زيارته لبيت عزاء الشيخ الراحل د. إبراهيم زيد الكيلاني، وهو عالم معروف، درس على يديه آلاف طلبة العلم، ويعدّ مرجعاً في الفقه والفتوى، وعلماً من أعلام الخطابة في العالم العربي، لكنه توفي وهو ممنوع من الخطابة منذ أعوام، بسبب انتمائه لجماعة الإخوان!
يضيف القضاة (في حديثه مع الوكيل) أنّه التقى عدداً من الخطباء المفصولين، وبحضور قيادات من جماعة الإخوان المسلمين، وتحدّثوا عن العودة إلى المنابر، واضعاً شرطاً واحداً واضحاً محدّداً، وهو عدم استخدام المنابر للغمز واللمز بالناس، وإبعادها عن أجواء الصراعات والصدامات. وأنهى حديثه بأنّ الأصل الثقة ثم المحاسبة، لا المنع، في التعامل مع الناس.
مثل هذا القرار يُفترض في الحدّ الأدنى أنّه من أبسط صلاحيات الوزير ووزارته، لكنّه في سياق المعادلة المحلية يمثل موقفاً شجاعاً يعكس استقلالية ونضوجاً سياسياً، لأنّه أنهى مهزلة استمرت أعواما طويلة، ليس لأنّ الخطباء الممنوعين هم من جماعة الإخوان، بل لأنّ مصلّي الجمعة حُرموا من الاستماع إلى عدد كبير من المفكرين والعلماء، وهم ليسوا حكراً على جماعة الإخوان، ما أحدث فراغا كبيرا ملأه آخرون ممن لا يملكون الحدّ الأدنى من العلم الشرعي والفكر المستنير، فأفقد الخطبة هيبتها وقدسيتها، وأصبحت موضعاً دائماً للنقد الإعلامي والمجتمعي!
الموضوع، إذن، أعمق من قرار بإعادة خطباء مفصولين، أو تصحيح مسار سياسات خاطئة وظالمة استمرت سنوات طويلة، بدون أن نجد شجاعة ممن يتولون المنصب لإيقافها، بل هو نموذج على النهج الاستقلالي الجريء والمبادر في الحكم، في مقابل النهج المتردد التابع الفاقد للاستقلالية والجرأة والشجاعة.
إحدى المشكلات الكبرى التي أصيبت بها الإدارة الأردنية عموماً، وليس فقط الوزارات، تتمثّل إمّا في عدم كفاءة المسؤولين الذين يأتون إلى المناصب عبر الواسطة أو "العلاقات الخلفية"، وإمّا في أنّهم لا يمتلكون الجرأة والشجاعة لاتخاذ القرارات المطلوبة باستقلالية، والدفاع عنها؛ فلا يملكون قول كلمة: لا، عندما تكون واجبة وطنياً، ولا قول كلمة: نعم، عندما تكون غير مرغوبة من بعض المتنفذين وأصحاب القرار.
هذا وذاك يذكّرنا ببعض القضايا الكبرى في "شبهات الفساد"؛ كيف كانت تمرّر على المسؤولين والسياسيين والوزراء فيوقّعون عليها بدون أن يكلّفوا أنفسهم عناء قراءة ما فيها، برغم ما قد تحمله من كلفة كبيرة على خزينة الدولة أو كلفة سياسية، وهي "التوقيعات" التي دفعنا ثمنها لاحقاً.
نريد مثل هذه القرارات، ليس فقط في وزارة الأوقاف، بل في مختلف الوزارات والدوائر؛ في الجامعات (التي تعاني من غياب الاستقلالية والحجم الكبير من التدخلات)، والمدارس، والدوائر الرسمية.
نريد المسؤولين الذين يملكون ناصية مواقفهم وإرادتهم، ولا تنقصهم الشجاعة والجرأة والكفاءة لاتخاذ القرارات المطلوبة. فمثل هؤلاء هم أحد شروط الخروج من الواقع المتردي الذي وصلت إليه المؤسسات الحكومية عامة!

 

 

 

خيارات الصفحة