اتصل بنا ارسل خبرا
فاهمين غلط!

 

 

abu rumman

 

لا يعني بالضرورة، أنه إذا كان المزاج الشعبي سلبيا ومحبطا ومحتقنا تجاه السياسات الرسمية والحكومات المتعاقبة، فإنّ الأداء النيابي هو الأمثل الذي يستجيب معه. يتمثّل ذلك بما نسمعه ونشاهده من تهريج وترصّد وتصيّد للحكومة، فهذا الأسلوب أكل الدهر عليه وشرب، ولا يجدي أبداً في استعادة صورة المجلس أو الحصول على رضا المواطنين. 

ثمة نوابٌ قدامى وآخرون جدد لديهم مشكلة حقيقية في إدراك نبض الشارع ومزاجه وما يريده، فيتنطعون لخطاب معارض، لكنه سطحي وهشّ، متخم بالتناقضات والحديث العام المستهلك، وتسكنه محاولات تسوّل "شعبوية" رخيصة، ما يعكس استهتاراً بالشارع نفسه، وكأن ما يرضي الناس هو كيل الاتهامات والشتائم واستخدام اللغة الحادّة القاسية مع الرئيس والوزراء. 

المضحك في "السيرك النيابي" انقلاب المواقف والخطابات، فمن كان بالأمس مستفيداً من المنح والرضا الرسمي (مع حكومات سابقة)، ويقوم بأدوار متعددة في البرلمان لتمرير السياسات الرسمية، والوقوف في وجه زملائه النواب، وحتى خارج القبة ضد المعارضة، أصبح اليوم ينتقد الحكومة والرئيس، ويبالغ في تبنّي مواقف معارضة، وربما هذه الحال تنطبق على أغلب النواب المحسوبين سابقاً على الدولة، ممن كانوا بالأمس فقط يتبنّون حكومات ومسؤولين وسياسات أسوأ بكثير مما تقوم به الحكومة الحالية، في استهتار سافر بذكاء المواطنين وقدرتهم على القراءة وتمييز ما يحدث تحت القبة! 

 ربما لا أبالغ بالقول إنّ مواقف مثل هؤلاء النواب تخدم النسور أكثر مما تضره، وتخلق حالة من التعاطف معه داخل القبة وخارجها، وهو ما حدث فعلاً عندما تفلّت عليه بعض النواب عند مناقشة أسعار الكهرباء قبل الثقة. وإذا كان الناس يلومون النسور على تخلّيه عن موقع المعارضة وتمريره لسياسات ومسارات كان يرفضها حين كان نائباً، إلاّ أنّه يمتلك قبل ذلك قاعدة جيّدة من القبول الشعبي وعدم التلوث بشبهات فساد أو بلطجة أو اعتداء على القانون واستقواء بالدولة على الشعب أو خطاب غوغائي! 

 أحسب أنّ الشارع يدرك تماماً بأنّ الرجل جاء على "تركة ثقيلة"، وفي وقت صعب وحرج، وإذا كان تيار سياسي واسع يختلف معه في قبوله بالمضي على مسار خاطئ (في نظر هؤلاء)، وإذا كان هنالك من السياسيين من يختلفون معه في مواقف وسياسات معينة، فلم يستطع الرجل كسب قلوب وعقول الإصلاحيين؛ فذلك اختلاف حقيقي ونقد مشروع، بل وضروري، لكن ما نشاهده من بعض النواب يخرج تماماً عن هذا الإطار، ويدخل في سياق إما تسوية حسابات شخصية أو مصالح فردية أو جهوية وإقليمية، وهو ما لا يمكن تمريره على الشارع تحت بند المعارضة أو "صحوة ضمير" مثلاً! 

 أمامنا استحقاقات اقتصادية وسياسية كبيرة، وما يريده الناس من السادة النواب هو القيام بواجباتهم الحقيقية في التشريع والرقابة، وتأطير مصالح المواطنين بصورة عملية وواقعية، ويمكن في هذا الباب تصحيح أخطاء الحكومة أو تعديل سياساتها بما ينسجم مع هذا الدور، ويخدم الجميع، فالمواطن الذي يكتوي بنار الغلاء والأسعار والبطالة والحرمان الاجتماعي شبع من الخطب الفارغة والاستعراض الفلكلوري، وهو يبحث عن حلول وبدائل، ولم يعد هذا المشهد يحظى باحترامه! 

 

 

 

 

خيارات الصفحة