اتصل بنا ارسل خبرا
تصفيق مُسَجّل

 

201-045115

 


     بعد يوم حافلٍ من استقبال الوفود ، وتقبّل أوراق اعتماد السفراء الجدد ، وقص أشرطة افتتاحية لمشاريع جديدة، وإرسال برقيات تهنئة لمجموعة من الدول الصديقة بمناسبة العيد الوطني ، ومجموعة مماثلة من فاكسات التنديد ،  وإرسال برقيات التعزية لبعض الدول التي نالها نصيب من البراكين والزلازل والقطارات الجانحة والتفجيرات الإرهابية..أخذ الزعيم "شوراً" دافئاً ، لبس "بيجامته" الحريرية...ثم خلد إلى فراشه كما يفعل كل البشر. 

 

 حاول إغماض جفنيه إلا أنه لم يستطع النوم..نهض عن سريره ثانية أخذ كتاباً من مكتبته القريبة يتحدث عن العدل في الحكم  ،بدأ يقرأ بتروٍّ وصوت منخفض، علّ النعاس يداهمه أو يداعب الوسن عينيه، إلا أنه ازداد يقظة وأرقاً..تأفف ضجراً ، رمى الكتاب من يده، ثم بدأ يمشي في الغرفة ذهاباً وإيابا يفتح ستارة قصره المطلة على ساحة مملوءة بالحراس والخفر، بينما تجاوز عقربا الساعة تمام الثانية صباحاً..رنّ على جرس الخادم، فحضر الأخير فزعاً على عجل ، وعيناه الحمراوان غارقتان في خمر النعاس...انحنى لسيده منتظراً أن يأمره بما يشتهي، صاح الزعيم به آمراً: 

 

أحضر لي : كل مقطوعات بيتهوفن ، وموزارت، تشايكوفيسكي، باخ، فاغنر، سكارلاتي، ياني،  عمر خيرت، عمار الشريعي ..جميعهم..بعد دقائق عاد الخادم وبين يديه عشرات الاسطوانات لكل المذكورين أعلاه...وبدأ يضع اسطوانة ثم يتأفف قرفاً ويرميها...ثم يختار أخر، فلا يعجبه الهدوء المبالغ فيه الذي يليه ضجيج مبالغ فيه أيضا...فيرميها ثم يختار الثالثة..هكذا حتى امتلأ جناح قصره بأسطوانات موسيقية مبعثرة وأغلفة متطايرة في كل مكان؛ أمام المرآة، تحت السرير فوق الشراشف، على السجاد..والضجر والقلق يحتلاّن وجه الزعيم وعينيه المتّقدتين ،أخيراً تذكّر الزعيم شيئاً.. وقف من مكانه ، وبدأ يبحث بين رفوف خزانته الشخصية إلى أن أخرج "اسطوانة مسجّلة" مكتوب عليها "الخطاب الأخير" ...وضعها في آلة التسجيل...سمع صوت تصفيق مكرر مكرر مكرر على مدار ساعتين...عندها ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتيه..تمدد على سريره بهدوء ووقار ، وضع يديه على صدره ،ارتخت جفونه ، وتفككت عقد جبنه..وبدأ بالشخير السامي... 

 

خيارات الصفحة