اتصل بنا ارسل خبرا
صلاح غنام: أين نفر من تفاصيل عشرين عاما؟

 

 

 

 

 

449

 

 

 

 

أخبار الأردن

 

لو ألمحت لنا بأن ذهابك بات وشيكا، لكُنّا جهزنا أنفسنا للرحيل القسري، ولكنّا اختبرنا وإياك بعض "الشقاوات" التي كنّا نؤجلها دائما عن سابق تصميم، من غير أن ننتبه

أن حساباتنا، ربما، لا تستقيم مع أيام لا تتعاطى مع أمنياتنا.لو ألمحت لنا، لو بالإشارة، لكنّا "تزودنا" من رفقتك بما قد ينفعنا قليلا في غيابك، ولكنّا ودّعناك، كما يكون

الوداع بين الأصدقاء، وكما يليق بالذين اختبروا معا جميع ظروف الحياة، وصافحوا عمّان شارعا شارعا، وبيتا بيتا.لست أدري عن ماذا سأكتب بالتحديد يا صديقي

العزيز، عنك، أم عني، أم عن الموت الذي "يفرط حبات المسبحة". لكنني، بالتأكيد أشعر بثقل وطأة عشرين عاما من الصداقة التي انتهت بلا مقدمات. تماما كما ترفع

الصورة من إطارها، فتغيب الملامح، ولكن الإطار يبقى في مكانه. يا للعبث، كيف يظل هذا الإطار وحيدا بلا زائرين!على مدار الأعوام، وفي جميع مفاصل صداقتنا

غير الواهية، كنت أنت نكهة كل الأشياء الجميلة التي اختبرناها هناك معا. أتذكر مشاويرنا الدائمة من الأشرفية إلى الوحدات فجبل التاج، وصولا إلى وسط البلد. وأتذكر

كيف راقبنا المدينة وهي تمتد غربا، وسوّرناها بخطواتنا التي كانت تغنينا عن "التكسيات" التي لم نكن نملك نقودا لها.اعتبرنا الحياة "غنيمة"، فأحببناها بكل ما فينا من

عنفوان وشباب. لم ندرك يومها أن الخيانات تبدأ من الجسد، وتنتهي به. لم ندرك أن هذا الجسد قد يتهاوى في لحظة مصيرية حاسمة، فيخذل صاحبه. لست أدري، كيف

قررتَ أن تموت بعيدا عن عمّان، وتحديدا عن مخيم الوحدات الذي سفحت على ترابه خطواتك الأولى، واجتهدت في حبّه حتى غدوت من أشهر عشاقه. لماذا اخترت

موتا صعبا، في مدينة أخرى، بعيدا عن عمان وعن الوحدات؟لست أدري عن ماذا سأكتب بالتحديد يا صديقي العزيز، ولكنْ، قل بربّك: أين أفرّ من عشرين عاما تلاحقني

صورها في كلّ أحياء عمان وشوارعها! وماذا أخبئ من تفاصيل صداقتنا، وماذا سأعلن منها؟قل لي: أين أفرّ من رقم هاتفك الذي سـ"يقبض علي" في كل مرة أستخدم

فيها هاتفي، فأين أشيح بعينيّ عنه!تلك تفاصيل صغيرة، لن تضطر أنت إلى أن تختبرها. تفاصيل صغيرة، ولكنها مؤلمة، وتجعل جذوة الجمر مشتعلة على الدوام.أشعر

بمرارة حمل عبء عشرين من الرفقة على الكاهل. كنا بدأناها في حي الأشرفية، في ذلك البيت الذي جمعنا شبابا يرسمون أولى خطواتهم للحياة، ويتخيرون أجمل

الأمنيات مرسى لشيخوخة يعدونها سوف تأتي كما يتمنون تماما.لم نكن ندري يومها يا صديقي، أن بعضنا لن يدرك، حتى، الكهولة، وأن شبابه سوف ينطفئ من دون أن

يدرك ذلك.سأتذكرك دائما، كما كنتَ دائما؛ بشوشا، تشعل الفرح في الجلسات أنّى حضرتَ. وكريما تعرف كيف يكون الكرماء الذين ينفقون بلا منّة أو تبجح.سأذكرك

فارسا وواضحا في انحيازاتك، وفي خلافاتك، ولم تلجأ إلى الطعن بالظهر، بل إلى المواجهة الرجولية التي تسمي الأشياء بأسمائها الصريحة الواضحة.سأذكر صلاح غنام

"أبو الوليد"، الذي أحببناه طفلا كبيرا، يحب الحياة والورد والأصدقاء.كن بخير دائما يا صديقي، ولتكن روحك حرة كما كانت على الدوام.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خيارات الصفحة