اتصل بنا ارسل خبرا
لا خوف على الرواتب

 

jumana ghnaimat

 

يشكو وزير عامل من قلة السيولة، ويقول إن ذلك يضعف من قدرة الحكومة على تسديد الرواتب.

لكن كلام الوزير بحاجة إلى تمحيص وتقييم، لمعرفة مدى دقة وواقعية مثل هذه التصريحات.

 

ما تقوله الحكومة بدأ يُتداول من قبل أردنيين، يرددون منذ مدة مقولة تفيد بأن الخزينة لا تملك السيولة الكافية لتغطية قيمة فاتورة الرواتب، والتي تقدر بحوالي 300 مليون دينار شهريا، معللة ذلك بالظروف الصعبة التي يمر بها الاقتصاد.

 

صحيح أن فاتورة الرواتب ثقيلة جدا، وقد ارتفعت خلال العام الماضي بحوالي 50 مليون دينار مقارنة بالعام 2012، نتيجة إعادة الهيكلة التي طبقتها الحكومة. بيد أن المعطيات الرقمية تكشف أن لا أزمة حقيقية تقلل من قدرة الحكومة على تسديد فاتورة الأجور للقطاع العام؛ العامل والمتقاعد.

 

وثمة ضغوط على الموازنة العامة تتجسد في ارتفاع عجزها، نتيجة ارتفاع قيمة دعم الكهرباء. لكنه عجز لا يصل إلى حدود خطرة حساسة من قبيل انعدام قدرة الحكومة على دفع الرواتب في بلد مثل الأردن، تعتمد شريحة واسعة فيه على مداخيل شهرية، تأتي أساساً من العمل في القطاع العام.

 

وتوفير فاتورة الرواتب الشهرية لم تكن أمرا هينا على الدوام، ولم يحدث أن توفرت للحكومة مجموع رواتب عام كامل مثلا. فبلد مثل الأردن يعتمد في إيراداته على الضرائب والرسوم بالدرجة الأولى، والقروض بالدرجة الثانية، لتغطية العجز المالي في الموازنة العامة، والمنح بدرجة أخيرة. ومن ثم، فمن غير الممكن أن تتوفر له مبالغ تُرصد دائما للأجور.

 

وخلال أول شهرين من العام الحالي، بلغ إجمالي الإيرادات المحلية والمنح ما مقداره 863 مليون دينار، فيما قُدرت النفقات بنحو 883 مليون دينار، وليبلغ العجز المالي قرابة 20 مليونا خلال الفترة ذاتها.

 

واليوم، تتوفر في حساب الخزينة الموحد أموال تكفي لقيمة الرواتب. كما يوجد مبلغ مقداره 385 مليون دولار قُدم من صندوق النقد الدولي كدفعة ثانية من قرض المؤسسة الدولية؛ لم تقم وزارة المالية بالسحب منه بعد، وما يزال موجودا لدى البنك المركزي.

 

ومعروف للجميع أن موارد الخزينة تورّد شهرا بشهر، اعتمادا على الموارد السابقة، ما يعني بالضرورة أن تدفق الأموال مبرمج ومدروس، وأن وزارة المالية التي تُحوّل الرواتب للوزارات والمؤسسات العامة، تُجري حسبة شهرية تؤمن بموجبها قيمة الإنفاق الشهري الثابت، الذي يتضمن الرواتب والتقاعد وأقساط الدين وفوائده، والتي تقدر بحوالي 516 مليون دينار شهريا.

 

واستمرار تدفق الأموال في قنوات تمويل الإنفاق الجاري، ومنه فاتورة الرواتب، يشي بأن القلق والخوف الشعبي الذي يساور البعض غير منطقي وليس مبررا. فتدفق الإيرادات المحلية مستمر، بما في ذلك ضريبة الدخل والمبيعات، والضريبة المفروضة على المحروقات، والرسوم الجمركية، وإيراد دائرة الأراضي والمساحة.

 

يضاف إلى ما سبق أن إصدارات الخزينة من سندات للرواتب ما تزال تغطى بأسعار فائدة هي الأدنى منذ سنة، والبنوك تتنافس على تغطية سندات الخزينة التي تبقى أداة استثمارية مغرية للمصارف المحلية وتُقبل عليها. وفي الأفق وعد أميركي، بكفالة قروض محلية تفوق قيمتها ملياري دولار، ويتوقع الانتهاء من إجراءاتها قبل الربع الأخير من العام الحالي، ما يوفر نوافذ تمويل إضافية للاحتياجات التمويلية المحلية.

 

فالأردن تاريخيا يمول عجز الخزينة من الاقتراض، فهذه مسألة ليست طارئة. وما يشاع يزيد الضغوط على المواطن ويهدد الأمن المجتمعي، ويؤثر سلبيا على الاقتصاد، ويضاعف المخاوف.

 

وتوفر السيولة الشهرية المطلوبة ورغم الصعوبات حاصل، وذلك لا يقلل من التحديات الاقتصادية التي تواجه البلد. لكن تضخيم الحديث لهذه الدرجة يمثل سلبية لا تخدم الاقتصاد، بل وتزيد المشكلة؛ فالحالة النفسية كثيرا ما تؤثر على الوضع العام، وتقتل أجواء التحفيز.

 

 

 

 

 

خيارات الصفحة