اتصل بنا ارسل خبرا
بين عمان وطوكيو

jguid_3e1ad.jpg



يكثر الأردنيون من انتقاد واقعهم، ويدللون على سوء هذا الواقع بعقد مقارنات مع مجتمعات أخرى متقدمة. من ذلك على سبيل المثال لا الحصر، أن الأردنيين يكثرون من الاستشهاد عند الحديث عن النظام والتقدم بضرب الأمثلة من اليابان في الشرق، ومن أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية في الغرب، ويكثرون من المقارنة بين النظافة والنظام بين عمان من جهة، وطوكيو وغيرها من عواصم الدول المتقدمة من جهة أخرى، والأردني الذي يكثر من الحديث عن النموذج الياباني أو الغربي، هو نفس الأردني الذي يفعل كل ما يناقض النموذج الذي يتغنى به.. فاليابانيون لا يأنفون من الأعمال اليدوية، ويضعون عامل النظافة في مكانة مهنية متقدمة، بينما يأنف الأردنيون من العمل اليدوي عمومًا، أما إذا أضطر أحدهم للعمل كعامل وطن مثلاً، فإنه يصر على العمل بعيدًا عن منطقة سكنه، ولا يتردد عن استخدام ما يخفي ملامح وجهه عن الناس، وكأنه يرتكب جريمة أو إثمًا، وهو ما ينطبق إلى حد بعيد على مهن أخرى.. منها: عمل المطاعم والمقاهي، وغيرها من المهن التي تسيطر عليها العمالة الوافدة، بينما يكتفي الأردنيون بالإشادة بالنموذج الياباني والغربي عمومًا. وينسون أن الياباني ومثله أبناء المجتمعات المتقدمة لا يأنفون من العمل مهما كان–يدويًا أو آليًا -.

وما دمنا نتحدث عن النظافة وعن عامل الوطن، فإن أحاديث الأردنيين لا تتوقف عن النظافة في الدول الغربية وغيرها من الدول المتقدمة، والأردني الذي يبدي إعجابه بنظافة ونظام شوارع طوكيو، أو باريس، أو لندن، ويتمنى أن تكون شوارع عمان وإربد وغيرها من مدننا مثل شوارع تلك المدن نظافة، هو نفسه الأردني الذي لا يتردد لحظة في رمي علب المشروبات الغازية وغير الغازية من نافذة سيارته إلى الشارع، وهو نفسه الذي لا يتوانى عن رمي مخلفات سندويشاته على الرصيف، أو في عرض الشارع، وهو نفسه الذي لا يتردد في وضع كيس نفاياته على درج العمارة التي يسكنها لتعبث بها القطط، وهو نفسه الذي لا يتردد في وضع هذا الكيس بجانب حاوية النفايات لا بداخلها، وبعد ذلك لا يتوانى عن شتم المسؤولين في الأمانة أو البلدية، وكأن المسؤول هو الذي يجبر الأردني على رمي الزجاجات الفارغة، أو بقايا السندويشات في عرض الشارع، بدلاً من إبقائها معه لدقائق لوضعها في حاوية عامة، أو في سلة المهملات في بيته أو مكتبه.

قد يقول قائل: إن هناك تقصيرًا من عمال الوطن، وتأخيرًا في حضورهم، وقد يقول آخر: إن عدد الحاويات العامة في الشوارع غير كافٍ، وهذا خطأ لا يعالج بخطأ نمارسه عندما نرمي القاذورات في شوارعنا، ولكنه يعالج بتشكيل مجموعات ضغط أهلية على أمانة عمان والبلديات لتوفير المزيد من الحاويات، ولتشديد الرقابة والمتابعة على المهملين من عمال الوطن.

وما دمنا في إطار الحديث عن إعجابنا بالنموذج الياباني، وبالنموذج الغربي من حيث النظافة ومن حيث النظام ومن حيث التقدم، فعلينا أن نتذكر أن سلوكنا نحو القانون يختلف عن سلوك أبناء هذه المجتمعات، فهي شديدة الانضباط بالقوانين والأنظمة. علمًا بأن القوانين هناك تتضمن في ثناياها عقوبات شديدة للمخالفين، ليس أشد منها إلا الاستهجان الاجتماعي للمخالفة.. وهو الاستهجان الذي يشكل رادعًا قويًا لمن يفكر بالمخالفة. أما نحن، فإن أول شيء نفكر فيه هو: كيف نخالف القانون.. بل لعلنا ننفرد بين شعوب العالم بكثرة العبارات التي تبين مدى استهتارنا بالقوانين ابتداءً من بدعة «تفعيل القانون»، أو «عدم تفعيله» مرورًا بمقولة «ليّ ذراع القانون» وصولاً إلى مقولة «القانون كالبالون أنفخه بنفخ أو نفّسه بنفّس» بل إن بعضنا لا يتردد عن الاعتراض على تطبيق القانون عبر مقولة: «هو ع دوري». وكلها أقوال تعكس رغبة عارمة بعدم التقيد بالأنظمة والقوانين.. لذلك فإننا نقيم الدنيا ولا نقعدها عندما نحس أن هناك مشروع قانون يتضمن عقوبات فنستنفر لتخفيضها، أو حتى لإزالتها، وهذا الاستنفار الأردني ضد وجود العقوبات في القوانين، كأنه يخفي رغبة دفينة عندنا بالخروج على القانون، متناسين أنه لا يمكن حماية المجتمع–أي مجتمع–بدون عقوبات تفرضها القوانين، وهو ما أكدته القاعدة السماوية:»ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب» فبدون القوانين لا تستقيم العلاقات بين الناس، وبدون العقوبات لا تحقق القوانين أهدافها ولا يرتدع مجرم، ولا يتردد مخالف عن ارتكاب مخالفته.

ومثلما نختلف عن أبناء المجتمعات المتقدمة في سلوكنا تجاه القوانين والتقيّد بها، فإننا نختلف عنها أيضًا في النظرة الاجتماعية للقوانين، ففي الوقت الذي يستهجن أبناء تلك المجتمعات المتقدمة مخالفة القانون، فإن الحال عندنا معكوس، فنحن نعتبر مخالفة القانون «شطارة» والغش في امتحان التوجيهي وهو خروج على القانون يعتبره بعضنا حقًا من حقوق الأبناء يقاتل من أجله الآباء، الذين يكثرون من الحديث عن نماذج التقدم في طوكيو.. ولكنهم يغرقون في ممارسات طقوس التخلّف في عمان.

هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.








 

خيارات الصفحة