اتصل بنا ارسل خبرا
حالة نفسيّة


kjjkb_61311.jpg


كتب طه حسين رسالته للدكتوراه بالفرنسية وكان موضوعها ابن خلدون ونظريته في الاجتماع والعمران، وكتب زكي مبارك رسالته عن النثر العربي في القرن الرابع بالفرنسية ايضا. وكتب زكي نجيب محمود رسالته عن «الجبر الذاتي» بالانجليزية. ولكن أيّاً من هؤلاء لم يتشادق بمعرفته لأيّ من اللغتين وهو يخاطب قراءه العرب.

وانك لتقرأ كتب هؤلاء في العربية أو مقالاتهم التي تبلغ المئات فيها فلا تجدهم يلوون ألسنتهم بكلمة خارج نطاق العربية. حتى عناوين الكتب التي كانوا يشيرون اليها كانوا يكتبونها مترجمة الى العربية.

وإذا قيل إن هؤلاء أُدباء مسكونون بحبّ العربية، وان موقفهم هذا فيه انحياز الى لغتهم الأُم، فان بنا ان نذكر رجالا اشتغلوا بالفكر والفلسفة والعلم كالعقاد الذي كانت تصله ملازم الكتب المزمع اصدارها بالانجليزية قبل ان تصدر، وكان في مكتبته من الكتب الانجليزية ما يزيد على ثلاثة آلاف كتاب في شتى المعارف، او عبدالرحمن بدوي الذي كان يعرف احدى عشرة لغة ويكتب بالالمانية والفرنسية كابنائهما. او احمد لطفي السيد او محمد حسين هيكل، وكل هؤلاء عنوا بمباحث الفكر والفلسفة والتاريخ، وكتبوا لجمهورهم العربي بلسان عربي مبين غير ذي عوج، ولم يجدوا في انفسهم عقدة نقص تحثهم على ترقيع مقالاتهم وكتبهم بأسماء الاشخاص والمؤلفات او بفقرات مما ينقلون عن اللغات، ايهاما للناس وتبليسا، وافتخارا بما لا يُفتخر به الا الضعاف المهزولون، وتوهما بان فارق اللغة هو فارق معرفي، وان مجرد التمنطق بلغة أجنبية هو ارتفاع درجة في الوعي.

يدفعني الى مقاربة هذه المسألة ما جاء في رسالة احد القراء المثقفين من غضبه على ابن له سافر الى لندن مدة ستة اشهر، ثم عاد لا يكاد يقول جملة حتى يحشر فيها كلمة انجليزية يريد ليثبت تميزا وعبقرية وتقدما على ابيه الذي قرأ «اصل الانواع» لداروين بالانجليزية ثم قرأ ترجمته بالعربية لاسماعيل مظهر، ثم اتى على كتب اسماعيل مظهر ذات الاهمية البالغة والاثر البعيد في الفكر العلمي المعاصر في العالم العربي.

لقد اضطر الاب الذي تعاظمه ما وقع فيه ابنه من وهم العبقرية الى ان يضع امامه كتب: «ملقى السبيل» و»الاسلام لا الشيوعية»، و»الادب والحياة» لاسماعيل مظهر، وان يريه بعض مقالاته في مجلة «العصور» التي كان رئيس تحرير لها، ليبين له ان كل ذلك كان بعربية سليمة لا تجد فيه كلمة اجنبية واحدة، بغير مقتضى معقول من ايراد «مصطلح» ما مع شرحة، او ما شابه ذلك، مع حرص حريص على بيان معناه لقارئه العربي..

وما ادري ما الدافع لكاتب عربي ان يأتي بفقرة من مقال او كتاب بلغة أجنبية دون ان يشفعه بترجمة بلغة من يقرأون له.

هل في ذلك معنى الاستعلاء الذي هو ثمرة الغرور؟

هل فيه معنى الترفّع على ابناء أُمته، وهم الذين لا يخاطبون الا بالعربية دون غيرها من اللغات؟

هل هي محاولة لاثبات الذات فيما يلغي «الاصالة» وهي قوامها؟

لا ريب ان المحلل النفسي هو الجدير بالاجابة عن هذا كله.








 

خيارات الصفحة