اتصل بنا ارسل خبرا
مسيحيو الشرق والأردنيون المسيحيون قصة حُكم وشعب


dyusfdyufd_9da41.jpg


الزيارة البابوية إلى الأردن، وهي رابع زيارة بابوية للأردن منذ أول زيارة بابوية عام 1964، والثالثة خلال أربعة عشر عاماً، فآخر ثلاث بابوات زاروا الأردن، وتجمع رؤوساء وممثلي الكنائس الارثوذكسية العالمية من (القدس، روسيا، جورجيا، بلغاريا، صربيا، رومانيا، وفنلندا) وإقامة صلاة لأجل السلام في منطقة المغطس، يشير إلى وضع خاص للأردن، رغم قلة عدد الأردنيين المسيحيين.


منذ بداية القرن الحادي والعشرين برزت قضية التعامل مع الأقليات العرقية والمذهبية والدينية والجندرية في منطقة الشرق الأوسط، وتكرس الخوف من الاصطدام من المكونات الاجتماعية في هذه المنطقة بعد عدة أحداث في لبنان، وبعد سقوط نظام صدام حسين في العراق، وبداية مسلسل القتل على الهوية في العراق، وانتقال هذه الحالة إلى دول أخرى وتتويجها في مرحلة ما سُمي جزافاً بـ(الربيع العربي)، ومشاهدة ما يحدث في سوريا من صراعات واقتتال وما يسيل من دماء بلا مبررات غير صراعات استناداً (للهويات القاتلة).


رغم اتساع دائرة صراع (الهويات القاتلة) في المنطقة إلا أن الأردن ظل في منأى عن هذه الصراعات، وبرز بصورة معاكسة، أساسها العيش المشترك بين جميع مكونات المجتمع على اختلاف تلاوينها، ورغم بعض المنعطفات الحادة والحرجة التي مر فيها الأردن في الفترة الماضية، فإن المسألة الدينية لم تكن مطروحة أو مثار اختلاف.


وفي قراءة متأنية لهذا المشهد الأردني المنفرد في المنطقة يمكن أن نكتشف سر الوصفة الأردنية، وأبرزها بالتأكيد نظام الحكم وكيفية تعامله مع المكونات الأردنية، فالتاريخ الوطني الأردني يحمل في ذاكرته وجود أكثر من وزير مسيحي منذ تأسيس الإمارة، حيث كان الوزير الدكتور حليم أبو رحمة، والذي يُعد أول من وضع البنية التأسيسية للقطاع الصحي في الأردن، وزيراً في الحكومات الأولى.


وجاء بعده عودة قسوس في حكومة حسن خالد أبو الهدى المشكـَّـلة في عام 1929 ممثلاً للمجلس التشريعي كما جرت العادة آنذاك، أي أنه كان وزيراً تمثيلياً للشعب الأردني، ثم شارك في حكومة الشيخ عبد الله سراج المشكـَّـلة في عام 1931 بمنصب النائب العام ، وهو نفس المنصب الذي شغله في حكومة الرئيس إبراهيم هاشم المشكـَّـلة في عام 1933.


وتكرر وجود وزراء ونواب أردنيين مسيحيين، وهو أمر ليس استثناء بل عكس فهم نظام الحكم لكيفيية الحكم التمثيلي، حيث رأينا أردنيين كرداً ودروزاً وشركساً وشيشاناً في الحكومات الأردنية المتعاقبة.
ما يميز الأردنيين المسيحيين عن أشقائهم العرب المسيحيين هو كيف يعرفون أنفسهم، فالأردنيون المسيحيون يرون أنفسهم عرباً ويعتزون بعروبتهم، وأردنيون ويفخرون بذلك ومن ثم هم مسيحيون، فالهوية الفرعية الدينية ليست هي هويتهم الأم أو الهوية الرئيسة التي يرون أنفسهم تحت مظلتها، واستمرار انتمائهم للهويتين الرئيستين (العربية الأردنية) أو بالعكس حافظ على توازنهم ودورهم.


في حين أن الأشقاء العرب المسيحيين، أو ما يُطلق عليهم بمسيحيي المشرق، فإنهم لأسباب كامنة في تركيبتهم الاجتماعية وتركيبة أنظمة الحكم، قد ذهبوا للانتماء، نفسياً على الأقل، إلى هويتهم الفرعية، خصوصاً وأن أنظمة الحكم، في كل من العراق وسوريا ومصر، قد ساهمت بتعزيز ذلك عبر إتاحة الفرصة لبعض مرضى النفوس بالتهجم على المكون المسيحي في دولها، كي يبقى المكون المسيحي متعلقاً بالأنظمة الحاكمة التي تشكل له مظلة حماية، وفي أثناء ذلك تم تطوير خطابات الكراهية المتبادلة في تلك المجتمعات في (مختبرات) الإعلام والبيئات المغلقة لدى كلا الطرفين.


وهنا يمكن الإشارة إلى أهمية البنية العشائرية وتأثيرها في التكوين الاجتماعي الأردني، باعتبارها الغراء الذي يساعد على تماسك المجتمع من بعض الاهتزازات التي تحدث في المنطقة، فالبنية العشائرية كانت إحدى مميزات التكوين الاجتماعي السياسي للدولة الأردنية، بالمقارنة مع الدول الأخرى التي حدثت بها هزات أودت بالأنظمة والدول معاً، وتمزق المجتمع خرقاً، وانحل لمكوناته الأولية بصورتها الفاسدة.


الحالة الأردنية حالة متمايزة ومميزة، وعلينا العمل باستمرار وبصورة دؤوبة للبقاء خالين من (متلازمة الصراع الديني)، ويمكن للدولة أن تنظر بصورة أفضل إلى أهمية المناهج الدراسية التي ندرسها في مدارسنا، حيث يمكن الإشارة إلى عدد من الشخصيات التاريخية التي تحفل بها كتبنا المدرسية والتركيز على أنها عربية مسيحية، كحاتم الطائي مثلاً، وطرفة بن العبد، وكُليب وائل بن ربيعة، والذي كتب وصيته بدمه حين قُتل غدراً (لا تُصالح)، عمرو بن كلثوم، امرؤ القيس، عنترة العبسي، النابغة الذبياني، وعروة بن الورد، وقس بن ساعدة وهو أول من قال (البينة على المدعي واليمين على من أنكر).
وللحديث بقية...






 

خيارات الصفحة