اتصل بنا ارسل خبرا
صانع الديمقراطية الإسبانية يترجل


basemaa_7ea3c.jpg


مع الإعلان عن نية ملك إسبانيا خوان كارلوس التنازل عن العرش لابنه الأمير فيليبي، ينهي هذا الملك حياته السياسية بعد نحو 40 عاما من اعتلاء العرش، والتي استطاع خلالها العبور ببلاده إلى الديمقراطية التي نقلت إسبانيا من العالم الثالث إلى مصاف الدول المتقدمة. تنتهي الحياة السياسية لملك عظيم، استطاع أن يوفر أرضية للعيش المشترك وللتوافق الوطني، وهذا وحده يغفر له ما وقع فيه من أخطاء.

كيف استطاعت إسبانيا، بحكمة هذا الملك، الانتقال من استبداد الحكم الشمولي الذي سيطر على البلاد بقيادة الجنرال فرانكو لعقود بعد فوضى الحرب الأهلية والاقتتال؟ وكيف استطاع خوان كارلوس جعل الديمقراطية رافعة اقتصادية للتنمية والنهضة؟ صحيح أن إسبانيا في آخر عدة سنوات باتت تعاني من بطالة وصلت لنحو 20 % وسط الشباب، لكن ثمة اقتصاد وطني قوي، بناتج إجمالي تجاوز 1100 مليار دولار، واستطاع الاندماج بسرعة في اقتصادات السوق الأوروبية ثم الاتحاد الأوروبي.

وكيف تمكن هذا الملك أن يجعل من الديمقراطية أداة يطمئن لها كل الإسبان من مختلف الأقاليم والإثنيات؟ ثم كيف قدم النموذج تلو النموذج في الحكم الرشيد؛ حيث يعمل القانون من أجل الجميع وعلى الجميع؟ فالملك لم يتدخل لحماية إحدى بناته التي تورّط زوجها في قضية فساد، وجرى التحقيق معها كأي مواطن، وما تزال هي وزوجها يخضعان لإجراءات المحاكمة. كما تقبل هجوم وسائل الإعلام بقسوة في العام 2012، حين انتقدت سلوكه بالذهاب في رحلة لصيد الفيلة وبلاده تعاني من أزمة اقتصادية حادة.

تجربة الانتقال الديمقراطي في إسبانيا تعد تجربة حديثة، وتحتاج المجتمعات العربية التعلم منها؛ ففيها الكثير الذي يمكن أن يفيد. فهذه التجربة تقدم حالة للانتقال الديمقراطي التدريجي والإصلاح من فوق، وليس من القواعد الشعبية. لم تأت الديمقراطية الإسبانية لا بفعل الثورات ولا الانقلابات، بل جاءت نتيجة القدرة على خلق التوافقات الكبرى بين كافة فرقاء العملية السياسية. وهي عملية تاريخية معقدة ومركبة وليست سهلة، لكنها نجحت في نهاية المطاف؛ فلم تكن خالية من العثرات والتحديات الكبرى، ومنها المحاولة الانقلابية الشهيرة في مطلع ثمانينيات القرن الماضي واحتلال البرلمان من قبل الانقلابيين، والتي استطاع الملك استيعابها وتجاوزها.

مرت عملية التحول الإسباني بمراحل عديدة؛ فقد حكم الجنرال فرانكو الذي خرج منتصرا من الحرب الأهلية، 37 عاما. ومن الفضائل القليلة للجنرال أنه قرب الوريث الشرعي للحكم الملكي، فقام بتعيين خوان كارلوس خليفة له ليقود عملية إصلاح داخلية، لعب فيها رفاق للملك أدوارا مهمة، منهم رئيس الوزراء الأول أودولف سواريز، ورئيس الديوان الملكي. وقد بدأت هذه المرحلة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، والتصالح مع أحزاب المعارضة، وتخفيف القبضة الأمنية على المجتمع.

لعب خوان كارلوس دور ضابط إيقاع الأمة في لحظات التحول الكبرى. وبقي يستخدم مكانته ونفوذه لإعادة عربة الديمقراطية إلى المسار كلما حرفت عن مسارها. كما خلق التوافق والإجماع الوطنيين كلما احتاجت البلاد لذلك.





 

خيارات الصفحة