اتصل بنا ارسل خبرا
النوم في العسل!
aaqmfssqqq_81bbf.jpg

الأردني، للمرة الأولى، يشعر أنّه محاصر؛ ليس ككيانٍ سياسي، بل كمواطن. فدومينو الفوضى والراديكالية والحروب الداخلية، هو السيناريو البديل لدومينو الربيع والثورات الديمقراطية العربية.

لو حاولنا إجمال المؤشرات الكلية في النماذج المطروحة جميعاً، واستنباط الأسباب التي أدت إلى تلك النتائج الكارثية، فسنجد أنّ العامل الحقيقي والجوهري هو العامل الداخلي لا الخارجي؛ فالمعركة في الدول والمجتمعات التي تعاني صراعات، هي ليست مع إسرائيل ولا أميركا. صحيح أنّ هنالك قوى إقليمية ودولية توظّف تلك الصراعات الداخلية، لكن ذلك بمثابة عامل ثانوي محدود، لم يكن ليؤتي أُكُله لو لم تكن المجتمعات والأنظمة مهيأة ومؤهلة تماماً لأن تكون "ساحة" للآخرين، فضلاً عن أنّ القوى الفاعلة هنا وهناك هي القوى المحلية، والحروب هي حروب داخلية بامتياز!

لكن هل النسبة الكبيرة من العامل الداخلي تعود للشروط الاقتصادية بدرجة رئيسة، أم لأسباب سياسية وثقافية؟ الجواب هو أنّ الفقر والبطالة والحرمان الاجتماعي تمثل بيئة خصبة للخطر، لكنّها لن تعمل من دون وجود "محرّك" سياسي، وهو في الحالات التي نشاهدها يتمثل في الإقصاء والتهميش السياسي والاجتماعي، وغياب المؤسسات الدستورية الديمقراطية القوية القادرة على امتصاص النزوع نحو العنف والتطرف وتحويلها إلى خلافات سياسية تحت قبة البرلمان، واستبدال الصراع العشائري والمجتمعي بسجالات سياسية فكرية وحزبية.

مطلوب من المسؤولين والسياسيين الأردنيين أن يعيدوا قراءة هذا المشهد العربي المرعب من هذه الزاوية، لأنّه يفنّد ثلاث نظريات سائدة في أروقة القرار هنا:

النظرية الأولى، أنّ مشكلتنا ليست سياسية، بل هي اقتصادية بالدرجة الرئيسة. وهذا غير صحيح؛ فمصدر الأزمات والمشكلات والأخطار هو سياسي بامتياز، وينبع من عدم وجود مؤسسات ديمقراطية تمثيلية تستوعب الجميع، وتقوّي سلطة القانون، وتدمج القوى في اللعبة السياسية، وتفتح المجال للإسلام المعتدل بأن ينمو ويتطور باتجاه براغماتي وطني، بدلاً مما نراه من انتشار وتمدد النسخة "الداعشية" منه، والتي تجاوزت حتى "القاعدة" نفسها. وبالمناسبة، هذه النسخة ذات حقوق طبع محفوظة لأبي مصعب الزرقاوي، أحمد الخلايلة، الأردني!

أما النظرية الثانية، فتتمثل في أنّ "حماية البلد" تتم عبر الحرص على "الثوابت الوطنية" وعدم التضحية بها. هذه الثوابت الوهمية غير الصحيحة تكمن في الإبقاء على القواعد الراهنة في إدارة اللعبة السياسية، بعدم تقديم "تنازلات" للأطراف السياسية الأخرى. وهذا أيضاً استنتاج غير دقيق؛ فحماية الدولة تقوم هذه المرة عبر الإصلاح الجوهري الحقيقي، ونخبة واعية للمخاطر الداخلية المتنامية.

الثوابت الوطنية تتمثل في حماية الأمن الوطني وعدم التضحية به. لكنّ الطريق إلى ذلك تمرّ عبر إصلاح سياسي عميق وخطوات جريئة، لامتصاص الاحتقانات الاجتماعية المتراكمة، وإعادة هيبة دولة القانون، وإنهاء سياسات الاسترضاء والتراخي في تطبيقها، وتقسيم القوى والنخب بين موالٍ ومعارض؛ فمثل هذه الرؤية بمثابة وصفة كارثية لتجذير الأمراض والأزمات الخطرة الراهنة.

النظرية الثالثة والأخيرة، هي أن مصدر الأمن والوقاية من "الدومينو المحيط" يتمثل في تركيبة المجتمع التي تبتعد عن الطائفية والانقسامات العرقية. وهذا صحيح شكلياً، لكن عادة فإن مثل هذه الجراثيم إذا وجدت، قد تختار أي شكل أو صيغة تريدها، مثل الفوضى والتنمر والعنف وتتطور لتأخذ أشكالاً أخرى في المستقبل!

أبعدنا الله عما يجري حولنا. لكن ذلك يتطلب قبل كل شيء ألا ننام في العسل؛ بل أن نسعى إلى تعديل المسار وإطلاق عملية متكاملة في مسار معاكس لتلك النماذج السيئة.





 

خيارات الصفحة