اتصل بنا ارسل خبرا
بيريز ومانديلا والمشابهة الحتمية!

dssgfaaqqq_36ad1.jpg
 

لم تكرّم إسرائيل رئيس الدولة شمعون بيريز، وهو الذي عمل أكثر من نصف قرن دون توقف في المراكز القيادية، فهو مؤسس الصناعات العسكرية، ومفاعل ديمونة الذري. وهو المحاور الأبرز في المناسبات التي حملت سياسات السلام!!.

أميركا هي التي ستكرمه هذا الأسبوع بمناسبة إنتهاء مدة رئاسته – بلغ الواحد والتسعين عاماً – فالرئيس أوباما سيستقبله في البيت الأبيض، وسيمنحه أرفع وسام أميركي يمنح لأجانب، كما أن الكونغرس سيمنحه وسام الحرية.. وسيستمع إليه في جلسة عامة!

لقد تعودنا في وسط غضب عربي وحقد قومي أن نتجنب الحديث عن «قادة العدو». وكنا نسمي غولدا مائير العجوز الشمطاء.. مع أننا نعرف أن الشمطاء ليست شتمية.. وأن كل الأمهات حين يكبرن يصبحن شمطاوات. ونسمي مناحيم بيغن مجرم ديرياسين.. ويعتبر رابين الذي قاد انتصار إسرائيل التاريخي بأنه لصّ سرق أربعمائة دولار حين كان سفيراً في واشنطن.. وهكذا!

ومع أن المطلوب ليس تلميع صور قادة حاربونا وقتلوا الآلاف من شعبنا لم يكونوا يحملون سلاحاً في دير ياسين، وبحر البقر، واربد وجنوب لبنان وبيروت لكن المطلوب، ونحن نملك الآن غضباً أقل، وحقداً مكتوماً وذكياً أكثر، أن نفهم نوعية هذا النمط الغريب من القيادة، لمجموعات مهاجرة جاءت إلى فلسطين فتأسست بالمزارع التعاونية، وبحملة المجارف والفؤوس لأن هدفهم الأساسي: استيطان الأرض، والانزراع فيها لتأكيد ملكيتها التاريخية الدينية.. في حين كنّا نتصوّر أن التحضّر والتمدن والنجاح في الحياة يقوم على مغادرة القرية، والخروج من تقاليد المجتمع الزراعي إلى المدينة، والاغتراب الروحي الذي لا يجد ما يعبر عنه غير المظاهرة في الشارع، والاعتصام.. وأحياناً سماع صوت الرصاص بين البيوت والحواري!

لقد ذهب بعض قادة إسرائيل إلى السجن، وسلف بيريز هو الآن وراء القضبان لأنه تحرش بموظفة في بيت الرئاسة. وآخر كان رئيس وزراء قبل أشهر ذهب لتنفيذ عقوبة السجن بسبب قضايا فساد مالي!!. لكن الكثيرين قاتلونا في المعركة.. وتولوا مسؤوليات الدولة بثقة وجدارة.. وكانوا دائماً غرباء عن سياسيي المنطقة وقادتها، لأنهم انشأوا كياناً مختلفاً عن كياناتها. وفي الوقت الذي نفهم فيه نوعية هذا النمط من السياسيين فإننا نكون أكثر جدارة في مواجهة القوة المعادية التي ثبت أنها لا تريد السلام.. وأنها تحمل أمراض أوروبا الاستعمارية العنصرية.

إنّ إنجازات قادة إسرائيل وهياكل بنائها الذاتي على أرض فلسطين، لا يختلف كثيراً عن إنجازات الأوروبيين في جنوب إفريقيا. باعتبارها حقائق متقدمة لكنها غير أخلاقية وغير حضارية ومدعوة إلى التلاشي. وقد أدرك قادة النضال الجنوب إفريقي نوعية الكيان المصنوع القوي، فتصدوا له بأسلحة لا يمكن لنظام بريتوريا مواجهتها.. أسلحة السلام، وفرض عقيدة الحرية على حياة الملايين السود والبيض، وذهب كل الزبد جفاءً وبقيت صورة مانديلا رافعاً قبضته رمزاً للقيادة النظيفة الديمقراطية، ورمزاً لحركة تحترم الإنسان وتضعه في مكانه!





 

خيارات الصفحة