اتصل بنا ارسل خبرا
ويذهب شرقاً

 

ahmad hassan zu3bi copy copy

 

عندما بدأ صومي الجدّي دون خروقات..بدأتُ أقايضهم؛ «أملأ تيرمس الماء من البئر» مقابل صحن بطاطا «قلي» على شكل دوائر!!! ..ومجرّد أن أضمن الاتفاق ،كنت أرفع دشداشتي عن ساقيّ النحيلتين وأفتح الغطاء الثقيل ،أنزل حبل الليف رويداً رويداً في جوف البئر ، كنت اسمع بشغف حفيف الليف بالحديد وبالصخر المزمن ،لم تكن غوايتي ملأ «الترمس» ولا حتى صحن البطاطا..وإنما منظر الصخور المكسوّة بعتمة الغروب ، سيما تلك الزوايا المتعرّقة ببخار الصيف التي يفصلها كساء طحلبي أخضر فريد المنظر والرائحة.

 

بعد ثوانٍ من نزول الحبل اسمع ارتطام الدلو بحضن الماء، كقبلة الأم على جبهة الوليد.. ما يلبث أن يشدني ثقل الدلو كما تشد السمكة صنارة الصياد، فأبدأ برفعه، بجهد واهتزاز، صحيح ان نصف الحمولة كانت تفرّغ في البئر ثانيةً نتيجة اهتراء قاع الدلو أو ارتطامه بـ»الطور» إلا أنني كنت أوصل ثلثه على الأقل الى أعلى..أفرغ الماء الرقاق الصافي في «البرّاد» وأعيد الكرة بنفس الطريقة..

 

كان المساء هادئاً، لا بريكات، لا فتّيش، لا سيارات نجدة ، لا ضجيج..السماء ممعنة في الزرقة ،والعصافير جادّة في التحليق والزقزقة ، أما الغيم القادم غرباً من البحر المتوسّط فيشبه قطن وسادتي المنفوشة حينما يمر سريعاً فوق بيتنا ويذهب شرقاً..

 

في الحيّ بعض العمال الوافدين يحملون خبزاً ساخناً وكيس تمر هندي وماء،وفي خاطرهم مكالمة شهرية لم يجروها بعد مع نسائهم القابضات على الفقر.. على الشارع الرئيس سائق «تريلاّ» تركي ركن «شاحنته « جانباً وبدأ يحضر من صندوق «العدّة « وجبة إفطاره على عجل..وما أن يشعل «غازه السفري « حتى تتهافت عليه الصحون من كل البيوت..فيطفىء ناره ويشكر الأطفال بابتسامة و يكافئهم بكعكة..

 

قبل الإفطار بلحظات ، كنت أضع «كماج» الطابون الحار على ركبتي ، أبصر بعينين غائرتين الأطباق القليلة التي وضعتها أمي أمامنا لا سيما صحن «البطاطا «..أفتح يديّ للدعاء ولا أملأهما سوى بالصمت، ثم امسح بوجهي الفراغ..فماذا أدعو ولمن أدعو؟؟ أبي على يميني وأمي بكامل الصحة على يساري وأخوتي كلهم حولي ..فبمفهومي الطفولي آنذاك ، يعتبر الدعاء ترفاً وطمعاً ..في ظل حضور كل هؤلاء..!!!

 

زمان كنّا نتمنى أن يصمت صوت الأولاد لنسمع مدفع درعا...

 

الآن صرنا نتمنى أن تصمت مدافع درعا لنسمع صوت الأولاد..

 

 

 

 
more