اتصل بنا ارسل خبرا
قضية العيطان.. انتصار الواقعية الأمنية على فهلوات الأفلام الأمريكية


ueygruirt_24bfe.jpg




أزمة اختطاف السفير الأردني فواز العيطان وعودته إلى الأردن سالماً تعد محطة مهمة لا بد من الوقوف عندها وقراءتها بصورة متأنية، فهناك من يرى أن ما تم يعد انتصاراً عظيماً، في حين أن آخرين يرون أن ما تم لا يُعد إنجازاً يمكن تسجيله للأردن، وأصحاب الرأي الثاني يستندون إلى أن ما تم يُشكل حالة من التفاوض مع تنظيم إرهابي، وأن الأردن اضطر إلى تسليم إرهابي محكوم، وهو محمد الدرسي، إلى تنظيمه الإرهابي، وذلك يُشكل سابقة خطيرة، وأن هذا يعني أن الطرف الذي اختطف سفيرنا حقق ما يريد.

أصحاب الرأي الثاني عليهم أن يدركوا عدة حقائق أبرزها أن المطلوب كان وصول السفير العيطان إلى الأردن سالماً دون أن يتعرض إلى خدش واحد أو إهانة أو ظروف غير إنسانية، وهو ما تحقق فعلاً عبر جهود حثيثة وحقيقية من قبل نشامى الأجهزة الأمنية.

كذلك فإن محمد الدرسي معتقل في الأردن من عام 2007، وبتهمة محاولة تفجير مطار الملكة علياء الدولي ومعه ثلاثة عراقيين، ولم تنفذ العملية، أي أن نقطة دم أردنية واحدة لم تسفك.

كما أن أية عملية تفاوض هي عملية يخرج منها الطرفان منتصران، لذا فإن التفاوض يختلف عن التقاتل، ففي حالة التقاتل هناك طرف فائز وطرف خاسر، ولذا فإن حالة التفاوض تُسمى حالة فوز/فوز، ومن يدرك أصول التفاوض يعرف أن الأردن انتصر بتحقيقه النتيجة المرادة والطرف الآخر انتصر ايضاً، وهو ما يعني أن من كان يدير عملية التفاوض يُدرك معناها ولم يحاول أن يقوم بدور الفهلوي.

يبدو أن هناك من كان يرغب أن تقوم قوات (كوماندوز) أردنية باقتحام مقر خاطفي العيطان والدخول في معركة وتحرير السفير، والعودة به إلى الأردن، هذه الرغبة تبدو مزروعة بالأذهان بسبب السينما الهولوودية، ومن أراد أن يشاهد مثل هذه المشاهد يمكنه ذلك بعد أن يقطع تذكرة لحضور فيلم سينمائي، أو أن يجلس أمام التلفاز ومشاهدة ما يُعرض من أفلام أبطال الأكشن.

ولكن لمعلوم من يتبنون هذا الطرح فإن نجاح مثل هذه العمليات على أرض الواقع، وبعيداً عن الأفلام الأمريكية، لا تتعدى 30%، فالمختصون في تحرير الرهائن على المستوى العالمي يدركون أن كل الطرق التي تؤدي إلى عملية أمنية/عسكرية لا تتمتع بنسب نجاح عالية، في حين أن استخدام الاستخبار والمعلومات وتوظيفهما في عملية سياسية لتحرير يرفع النسبة إلى أكثر من 80%، فالخيار الأمني/العسكري ينتج عنه في غالبية الحالات أخطاء في العملية تتمثل في حدوث حالة وفيات أو إصابات في الرهائن أو القوة المنفذة للعملية، أو بعض المدنيين.

ومثال ذلك ما حدث في أزمة الرهائن الروس عام 2002 حين تم احتجاز 800 شخص في مسرح في موسكو، حيث تم اتخاذ قرار التعامل مع المسألة أمنياً/عسكرياً وليس أمنياً/سياسياً، وهو ما نتج عنه فشل كبير في العملية، حيث ذهب ضحية العملية 118 شخصاً من المخطوفين، ودخول 150 آخرين العناية المركزة، بالإضافة إلى 45 كانوا في حالة خطيرة، وهو ما اضطر وسائل الإعلام الروسية المسيطر عليها من قبل الدولة إلى عدم الكشف عن الحقائق اللاحقة.

في حين أن أزمة رهائن السفارة الأمريكية في إيران، والتي بدأت عندما اقتحمت مجموعة من الطلاب الإسلاميين في إيران السفارة الأمريكية بها دعما للثورة الإيرانية وأحتجزوا 52 مواطنا أمريكيا لمدة 444 يوما من 4 تشرين الثاني عام 1979 حتى 20 كانون الثاني عام 1981، تظهر الفارق الواضح بين الخيار الأمني/العسكري والخيار الأمني السياسي، حيث فشلت العملية العسكرية الأمريكية لإنقاذ الرهائن حيث تم تدمير طائرتين ومقتل ثمانية جنود أمريكيين وإيراني مدني واحد.

وانتهت الأزمة بالتوقيع على اتفاقات الجزائر في الجزائر يوم 19 كانون الثاني عام 1981، وتم وأفرج عن الرهائن رسمياً في اليوم التالي، بعد دقائق من أداء الرئيس الأمريكي الجديد رونالد ريجان اليمين، حيث وافقت الولايات المتحدة على عدة نقاط لمصلحة إيران.

وتكرر المشهد في قضية إيران كونترا حيث عقدت بموجبها إدارة الرئيس الأمريكي ريغان اتفاقاً مع إيران لتزويد إيران بأسلحة متطورة مقابل إطلاق سراح خمسة مواطنين أمريكيين محتجزين في لبنان، حيث كان الاتفاق يقضي ببيع إيران وعن طريق إسرائيل ما يقارب 3٫000 صاروخ (تاو) مضادة للدروع، وصواريخ (هوك) أرض/جو مضادة للطائرات.

المهمة تمت بنجاح، وعاد السفير فواز العيطان سالماً دون خدش، وحصلنا على العنب، ولمن لا يستطيع أن يرى الإنجاز أن يعرف أنه ممن يحبون (مقاتلة الناطور)، ومشاهدة الأفلام الأمريكية، وله الحق بذلك ولكن دون أن يقلل من الإنجاز.








 
more