اتصل بنا ارسل خبرا
سيادة الأمر الواقع


fahad alasa_53759.jpg


فيما الأصوات تتعالى مطالبة بسيادة القانون على الجميع، وفي كل مناحي الحياة، يتنامى الشعور بأن سيادة الأمر الواقع ما تزال هي السائدة في حياتنا.

قبل أيام، أعلنت السعودية لائحة جديدة لمخالفات السير، بموجبها صنفت مخالفة قطع الإشارة الحمراء "جريمة كبيرة" يعاقب مرتكبها بأشد عقوبة.

في الأردن، كان قطع أحد السائقين إشارة حمراء عملا نادرا، يستحق خبرا في صحف اليوم التالي. في أيامنا هذه، صار فعلا روتينيا؛ كل يوم يرتكبه مئات السائقين على طرقات العاصمة، والفضل يعود لسيادة الأمر الواقع.

في معظم شؤون حياتنا التي يفترض أن تنظمها القوانين والتعليمات، بات الأمر الواقع هو السائد والمسيطر. مخالفات قانون السير ليست سوى مثال واحد على التجاوزات على القوانين.

المسألة بسيطة؛ تبدأ بمخالفة بناء هنا أو هناك، يغض المسؤول الطرف عنها، فيلحق به بقية المواطنين. ومع مرور الوقت، تتحول التجاوزات إلى ظاهرة؛ أمر واقع، يتعين على السلطات التعامل معه. ومن من المخالفين لم تصله الكهرباء، تضطر الشركة لتأمينه بالتيار، لاعتبارات إنسانية يتبناها في العادة النواب؛ السلطة المكلفة بوضع التشريعات ومتابعة تنفيذها. وهكذا، تستبدل سيادة القانون بسيادة الأمر الواقع، وتتكرس في أذهان الناس كثقافة ومكاسب؛ إذا ما فكرت حكومة بتصويبها، تلقى مقاومة مجتمعية هائلة.

كل الحملات التي تنفذها دوائر الشرطة ووزارة المياه، والزراعة، والبلديات لضبط المخالفات، هي تعبير أصيل عن سيادة قانون الأمر الواقع عوضا عن سيادة القانون الأصيل. وإلا لو كان القانون مطبقا، لما اضطرت سلطة حكومية لتسيير الحملات.
وما يحصل في الواقع أن هذه الحملات تنتهي مثلما بدأت؛ المتجاوزون على القانون يعودون إلى سابق نهجهم بمجرد انكفاء الحملة؛ لا بل ويلتحق بهم مخالفون جدد.

ولقد ذهبنا في طريق تكريس سيادة الأمر الواقع إلى أبعد من ذلك؛ فالقوانين تعدل أحيانا، وعلى نحو تعسفي، لتنسجم مع أمر واقع في هذا القطاع أو ذاك.

الأردن بلد شحيح الموارد، ومن دون سيادة القانون وعلى الجميع، فإن الخسائر التي نتكبدها ستفوق المساعدات التي نتلقاها. خذوا التهرب الضريبي مثلا؛ الأرقام الرسمية تشير بوضوح إلى أن قيمته تقارب قيمة المنحة الأميركية سنويا.

والأردن بلد متنوع في تركيبته الاجتماعية والديمغرافية، ويتجه لأن يكون بلدا متعدد الثقافات والانتماءات العرقية؛ بغير سيادة القانون سيتحول إلى دويلات، وستفقد السلطة المركزية قدرتها على الحكم.

وقعت انتهاكات جسيمة للقانون في الأردن، مارستها حكومات وسلطات كثيرة، وتشجعت تشكيلات اجتماعية من مختلف المناطق على التعدي على القوانين، على المستوى الجماعي والفردي.

إن الرابط الوحيد بين الفرد والدولة هو القانون. على هذا المبدأ قامت الدول الحديثة وتقدمت، وبغيابه أو بالتنازل عنه، تحولت كيانات إلى دول فاشلة، تحكمها العصابات والمافيات، ويدفع الجمهور العريض الثمن غاليا من استقراره وحياته.

الشعور العام بغياب سلطة القانون والفرص العادلة والمتساوية بين الأفراد في المجتمع، يكاد يكون طاغيا اليوم. لم يعد أحد يأمل في الحصول على فرصته من دون الواسطة. ومن يخلص للقانون في سلوكه اليوم، يجد نفسه حالة نشاز بين جمهور واسع تشبع بثقافة الأمر الواقع وتقاليده.
































 
more