اتصل بنا ارسل خبرا
الأردن: الاصلاح السياسي حين تقترب لحظة المواجهة

 

amer sabayleh

 

مع مرور أكثر من عامين على الحراك السياسي المطالبي في الاردن, تظهر مشكلة تعريف حقيقة الاصلاح السياسي و كأنها المعضلة الأكبر اليوم حيث تظهر محاولات توظيف واضحة من قبل قوى متعددة لهذا المفهوم. فعلى سبيل المثال, لا يمكن ايجاد اي نوع من انواع الالتقاء الفكري بين القوى القديمة المحافظة و القوى الناشئة في كيفية المضي قدماً نحو الاصلاح. فالفريق التقليدي المحافظ, يرى في الاصلاح تهديداً للمكتسبات التي حققها عبر آلية الحكم السابق. من هنا, عملت هذه الفئة على تسويق فكرة الاصلاح بصورة مشوهة, بحيث تظهرهذه الفئة و كأنها الاكثر قلقاً على مصير الدولة و العرش, فجاءت مناكفاتها المستمرة تحت اطار ضرورة المحافظة على الملك, و في بعض الأحيان تجاوزت ذلك لتصل الى حد انتقاد الملك نفسه. ليتبين لاحقاً ان بعض هذه الحالات ارتبط بشعور ذاتي ناجم عن عمليات تهميش و إقصاء تعرضت لها هذه الشخوص, و في بعض الاحيان كانت المناكفات نتاجاً لأمور أبسط من هذا بكثير, كالاستبعاد عن موائد الملك مثلاً.

 

على الصعيد الآخر, اتخذ الظهور الأول للقوى الناشئة في بداياته صورة المطالبية المرتبطة حصرياً بموضوع الفساد و مكافحته و محاسبة شخوصه. هذه الانطلاقة تستدعي التوقف ملياً عند ابعاد هذه الجزئية بالذات, حيث من الطبيعي ان تعمل هذه الانطلاقة على اختزال عملية النمو الفكري للحراك السياسي بالإطاحة بشخوص لا بنهج, و يحولها في بعض الأحيان الى أداة يتم استثمارها من قبل أعضاء نادي الدولة المتخاصمين ضمن سعيهم الشخصي لتصفية الحسابات أو تسجيل حالات شعبوية.

 

هذا ما قد يفسر أيضاً سرعة تحول بعض المسئولين المعروفين باستعلائهم على العامة و الانغلاق على انفسهم الى شخصيات عامة تسعى للتواصل مع الجمهور عبر وسائل التواصل المجتمعي ضمن محاولات واضحة لرسم صورة "مسئول ما بعد الربيع العربي" القادر على مواكبة التغيير و الصالح لكل المراحل. لكن, من الواضح أيضاً ان هذا التحول الذي فرضه الحراك السياسي في الأردن قد أثار حفيظة قطاع واسع من الشخوص الذين تم فرضهم على الدولة الأردنية خلال العقد الماضي ليتولوا ادارة وزارات مؤثرة ضمن عمليات التنمية و التطوير و التواصل مع المانحين الاجانب. بعض هذه الشخوص و خصوصاً تلك التي اضطرت مرغمة للخروج من المشهد, تشعر –بلا شك- بحالة من الحنق تجاه الحراك السياسي الأردني, حيث تعمل -في أغلب المناسبات- على تقزيم هذا الحراك و مهاجمته في الدوائر المغلقة الرسمية و الاجنبية, في محاولة لإعادة تصوير الاردنيين على انهم اناس بعيدون عن السياسة و باحثون عن الحاجات الاساسية أو "الطعام" فقط وفقاً للترجمة الحرفية للمصطلح المستخدم من قبل هذه النماذج. و يصر نموذج "الزيف الليبرالي" على ربط أسباب التعثر الاقتصادي اليوم بالحراك السياسي بينما يتم التغاضي عن الحديث عن الاسباب الحقيقية للانهيار الحالي و الذي هو نتيجة طبيعية لطريقة ادارة الدولة طوال السنيين الماضية و التخبط في ادارة المشاريع و التخطيط غير الواقعي و الاغتصاب الفعلي للقرار السياسي من قبل هذه الفئة التي نجحت في سنوات قليلة بصناعة الواقع المؤسف الذي نعيشه اليوم من أزمة اقتصادية معمقة و فجوة بين النظام السياسي الحاكم و شعبه.

 

الملفت للنظر ان هذه الفئات المفروضة على الاردنيين مازالت تنكر أي جانب ايجابي للتطور الحاصل على الأرض من اضطرار اللجوء الى التعديلات الدستورية و الشروع البطيء في مكافحة الفساد و اجراء انتخابات نيابية جديدة و الأهم هو انهيار "تابوهات الخوف" في نفوس الشباب.

 

ان الوقوف على نمطية هذا الفكر من جوانبه المتعددة قد يوضح الكثير من أسباب تعثر المشروع الاصلاحي الأردني. فالقضية في الأردن ليست صراع بين حرس قديم و جديد, او محافظون تقليديون و ليبراليون تقدميون, او حالة انتهازية لتيارات دينية. القضية في الأردن قد تكون أبسط من هذا بكثير, فهي اولا و أخيراً صراع على السلطة و صراع على الصلاحيات. و الأهم ان دائرة صنع القرار السياسي مازالت مليئة بعقليات رجعية "اقطاعية" تختبأ خلف رداء ليبرالي اصلاحي, فهي في غالبيتها مرتهنة بمشاريع اصلاحية فوقية، قادمة من الخارج و لا تمت الى الواقع الأردني بصلة, و تعتقد ان قمة الليبرالية تتمثل بامتلاك شهادة جامعية غربية و امتلاك لكنة اميركية كعامل أساسي للتسويق السياسي. فعلى سبيل المثال, تغيب مفاهيم الكرامة و العزة تماماً عن قواميس هذه الفئات الرافضة لتفسير دوافع الحراك الأردني على أنها حالة من رفض استمرارية اغتصاب القرار السياسي أو انها شعور فائض من العزة و الكرامة التي لا يمكن انتهاكها. اما الأدهى فهو انكار هذه العقليات "لاستشراقية الخادعة" لحق الاردنيين في صياغة واقعهم السياسي, و الاصرار على توظيف ذريعة غياب الوقت الكافي لخوض التجارب السياسية, و هي بذلك تنكر أبسط حقوق الشعوب المرتبطة بخوض تجاربها السياسية و التفاعل مع عملية النمو الطبيعي للفكر الايديولوجي و صياغاته المستقبلية.

 

على كل الأحوال, لا يمكن انكار ان حالة النزول الى الشارع و انتهاء حالة العزوف عن العمل السياسي أدت الى انتاج واقع مجتمعي جديد, لا يمكن الانتقاص منه او مهاجمته, فهو حراك يبحث عن بوصلته السياسية التي تم تغييبها عبر السياسات السابقة من اقصاء و تهميش و قمع تم ممارستها مطولاً بحق العمل السياسي و ناشطيه.

 

اليوم, يبقى التحدي الاساسي يتمحور حول تعريف الاصلاح السياسي و حيثياته ضمن اطر تحديثية جديدة, و رصد حالات التطور الفكري الاردني عبر معايير جديدة بعيدة عن تقليدية الايديولوجيات الصلبة. فالمناخات المجتمعية الجديدة تشير ان الايديولوجيات السياسية تمر بحالة من اعادة الصياغة ضمن أطر مناسبة للواقع الجيوسياسي و التاريخي. و لا يمكن انكار الاشارات التي تشير الى وقائع مجتمعية جديدة توضح حجم الأزمة السياسية في المجتمع الأردني و سرعة اتساع الهوة بين مكونات النظام السياسي و الشعبي. ضمن هذا المخاض الشائك, تبقى أكثر النقاط خطورة تتمحور حول تولد قناعة راسخة لدى الأغلبية باستحالة تجسير الرؤية بين ذهنية النظام السياسي و نظيره الشعبي الذي يمر بحالة من التباعد في الرؤى المتعلقة بمفاهيم الاصلاح السياسي.

 

التجرية الاردنية الجديدة لابد ان تؤتي أكلها في نهاية المطاف و لا بد ان ترسم عناوين و شخوص جديدة في المستقبل القريب. فالحراك الأردني الزخم في الغرف المغلقة لابد ان يترجم الى حالات سياسية تعبيرية على الساحة قريباً, خصوصاُ ان محاولات التجاذب السياسي الفعال و اختلاف وجهات النظر في مجمل القضايا الداخلية او الاقليمية يؤكد ان حالات الفرز السياسي ستؤدي الى بناء تحالفات سياسية صلبة كونها مبنية على الالتقاء الفكري و المصالحي, و في هذه الحالة قد تظهر تحالفات سياسية مستقبلية بين تيارات ناشئة و أطراف بيروقراطية او مؤسسات رسمية ناجزة تجد في برامج هذه التيارات الحداثية عوامل توافقية كبيرة و ضرورة تشاركيه للعبور بالبلاد من مأزق حالة التجاذبات السياسية الى حالة استقرار ضرورية ، لضمان مواجهة اي سيناريو قد تجلبه حالات الاضطراب الاقليمية و نتائجها المتوقعة على الداخل الأردني.

 

 

 

 

 

خيارات الصفحة