اتصل بنا ارسل خبرا
مسخرة

 

abu rumman copy copy

 

أصدرت وزارة الخارجية السورية بياناً طالبت فيه مواطنيها بعدم السفر إلى تركيا "حفاظاً على سلامتهم وتردي الأوضاع الأمنية هناك". للتذكير، فإنّ عدد اللاجئين السوريين (من "الجحيم") إلى تركيا وحدها يصل إلى نصف مليون لاجئ!

 

المناكفة السورية لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، تتجاوز هذا البيان إلى تصريحات أشبه بالكاريكاتورية أطلقها وزير الإعلام السوري، خفيف الظل، عمران الزعبي، عندما دعا أردوغان إلى "اتباع وسائل غير عنيفة" إزاء المظاهرات التي اندلعت في تركيا (ربما أسوة بالطريقة الحضارية التي يتعامل بها النظام السوري مع شعبه)!

 

"خفّة دم" الوزير السوري تجلّت أكثر عندما نصح أردوغان بالتعقّل، واصفاً إياه بأنّه "يقود بلاده بأسلوب إرهابي، ويدمّر شعبه". وربما كان على أردوغان أن يتعلّم ويستفيد من الأسلوب الديمقراطي العريق الذي يتبعه النظام السوري في التعامل مع الناس؛ وهو النظام المعروف بتقاليده في احترام المعارضة والرأي الآخر والتعددية السياسية، وفي صون حقوق الإنسان والحريات العامة، وتقديس الدستور والقانون والمؤسسات!

 

ليست القضية هي الموقف من المظاهرات والاعتصامات الشعبية التركية ضد رئيس الوزراء أردوغان، فهو سياسي، يخطئ ويصيب، وهنالك معارضة شرسة في البلاد. وكما أنّ له مؤيدين، فإن له خصوما؛ وكما أنّ هنالك من يرى بأنّه "أنقذ" الاقتصاد التركي فعلاً من الأزمة الكبيرة التي عصفت بالبلد قبل مجيء حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، وضرب مافيات الفساد، وحقّق وفراً اقتصادياً وقفزة كبيرة نقلت تركيا إلى دول العالم المتقدّم، فإنّ هنالك من يشكو من سياساته الاقتصادية، ويرى بأنّها أقرب إلى "المدرسة النيو-ليبرالية"، وأنّها تفتقر إلى حماية الطبقة الوسطى وإلى تعزيز العدالة الاجتماعية.

 

وعلى الجانب السياسي والأيديولوجي، هنالك نقاش حاد في تركيا بين الحكومة المحافظة "دينياً" (بقيادة "العدالة والتنمية") وبين التيارات العلمانية الأتاتوركية التي تقود الاحتجاجات الحالية، ضد ما تعتبره محاولة من الحزب للتدخل في "نمط الحياة" للشعب التركي.

 

على العموم، هنالك مظاهرات ومسيرات واحتجاجات تحدث في الدول الديمقراطية، على خلفية اقتصادية أو خدماتية أو مطالب عمّالية، وتحدث خلالها صدامات مع الأمن والشرطة. وفي العامين الماضيين، نتذكر صعود حركة "احتلوا وول ستريت"، وحركات احتجاجية عنيفة (على غرار ميدان التحرير المصري) في أكثر من مدينة أوروبية، على وقع الأزمة الاقتصادية العالمية.

 

ذلك كله طبيعي وممكن، وليست مشكلة أن تكون مع أو ضد أردوغان، لكن ما هو غير طبيعي، ويمثّل "قمّة المسخرة"، بل والسماجة المفرطة والسافرة، أن يتنطّع الوزير لممارسة التهكّم بلا خجل، بينما هنالك ملايين اللاجئين السوريين، وعشرات الآلاف من المعتقلين والمفقودين، وآلاف القتلى من الأطفال الصغار، وصواريخ تقصف مدنا وقرى، واستعانة بعصابات وحلفاء من الخارج!

 

هذه التصريحات -للوزير وإعلامه الخشبي- تستبطن المدى المرعب الذي وصل فيه استهتار النظام السوري بإراقة الدماء والتدمير. فبينما الوزير يمارس التهكّم ضمنياً، فإنّ قوات النظام السوري، مع عناصر حزب الله، يحاصرون القصير ويقطعون المياه عنها (وعن مدينة حماة)، بينما تعيش 30 ألف عائلة سورية حالةً من الرعب، ناهيك عن الوضع الكارثي في كل أنحاء سورية!

 

لا أحد –عاقل بالتأكيد- يأخذ كلام وزارة الخارجية السورية أو تصريحات الزعبي على محمل الجدّ. حتى ما يتم تداوله في المواقع الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي، والسجالات بين أنصار النظام السوري ومؤيدي الثورة، لا تخرج عن طور التندّر والفكاهة والمناكفة!

 

مرّة أخرى، القضية ليست مع أو ضد، هذا أو ذاك، في تركيا أم في سورية، لكنها في جوهرها تثير الاشمئزاز عندما يستمع إليها أو يقرأها السوريون في أقبية السجون أو المنافي أو تحت القصف، أو حتى في الجبهات!

 

 

 

 

خيارات الصفحة