اتصل بنا ارسل خبرا
هل أتاك حديث هجرة يهود الفلاشا لفلسطين

rttrtr_c4fe3.jpg


في إحدى الصباحات وفي نهاية الثمانينات.. علمت أن حسن الترابي نائب رئيس الوزراء ووزير العدل السوداني الأسبق والمتهم في صفقة هجرة يهود الفلاشا من اثيوبيا الى فلسطين المحتلة عبر السودان في اوائل الثمانينات.. موجود في عمّان على رأس وفد سوداني كبير للتوسط بين العراق ودول خليجية لحل خلافات نشبت بينهما بعد أن وضعت الحرب العراقية الإيرانية أوزارها العام 88 من القرن الماضي.
و بعد أقل من ساعة جهزت مسجلي وأقلامي وأوراقي وقبل كل ذلك أسئلتي الباردة والساخنة حول هذه الهجرة اليهودية الكبيرة (يهود الفلاشا) والتي تضاهي في أخطارها أي هجرة يهودية أخرى من العراق والمغرب واليمن ومصر وتونس والاتحاد السوفيتي عندما كان سوفيتياً ليس خالصاً وغيرها من أقطار العالم الى فلسطين المحتلة.


في الطابق الثالث وفي احدى الأجنحة الفخمة من ذلك الفندق الكبير كان حسن الترابي يؤم في صلاة الظهر شخصيات (إخوانية) أردنية وسودانية وغيرها من الجنسيات من بينهم (نقيب إخواني).. اردني الذي عندما رآني شعرت أنه اضطرب في صلاته وعندما أنهاها رأيته يُسرّ في أُذن الضيف الزائر (الترابي) وكأنه يقول له: أمامك صحفي مشاكس والاعتذار عن مقابلته أسلم لك.. ولنا..!


و كما يبدو لم يأبه (الترابي) لنصائح (النقيب) فتقدم إلي وهو يبتسم ابتسامة عريضة وإن كانت غامضة وخفية وحذرة.. وجلسنا وحدنا في احدى الغرف وسألته أولاً أسئلة عادية عن الأحوال المضطربة في السودان وعن أهداف زيارته هذه فأجاب عنها بإسهاب لم أكن أتوقعه وحتى لا يطول مقامي لديه.. ألقمْتُه سؤالي (القُنبلة): ما دورك في هجرة يهود الفلاشا الى فلسطين المحتلة عندما كنت نائباً للرئيس النميري ووزيراً للعدل..؟ وهنا فغر الرجل فاه نافياً نفياً قاطعاً أن يكون له دور من قريب أو بعيد في هجرة يهود الفلاشا ومبرئاً أيضاً الرئيس النميري نفسه من هذه التهمة وإن كان قد ألصقها بنائبه عمر الطيب ليس غير..


بعد عدة أعوام عُقد مؤتمر طبي عربي في عمان بدعوة من نقابة الأطباء الأردنيين والمشاركون أطباء من معظم الأقطار العربية والأجنبية.. علمت أن أحد المدعوين طبيب سوداني كان ذات يوم وزيراً للصحة في عهد الرئيس النميري.. وبعد احدى المحاضرات تقدمت وسلمت عليه وعرفته بنفسي وتمنيت منه أن أُجري لقاء صحفياً معه فوافق فوراً فبدأت في طرح أسئلة عادية مثل: عن رأيه في محاضرات المؤتمر وعن الأحوال الصحية في السودان وفي النهاية قدمت له سؤالي الصعب عن هجرة يهود الفلاشا ودور حكومة السودان فيها وقبل أن يجيب طلب مني أن لا اذكر أسمه مؤكداً: أن كل وزير ومسؤول كبير في الحكومة السودانية آنذاك مسؤول عن هذه الهجرة وقال: لقد تلقينا ودون مقابل بعد تنفيذها طائرات F5 ومدافع هاوزر ودبابات وغيرها من الأسلحة الثقيلة والخفيفة ومساعدات أخرى لوزارات خدمية منها مئات الملايين من الدولارات والإعفاء لكثير من الديون على السودان.


و بعد لقاء استمر أكثر من ساعتين مع هذا الوزير الطبيب كشف فيه المستور عن واحدة من المساهمات والأدوار لحكومات ومؤسسات وشخصيات (عربية) ساعدت في نشأة وقيام دولة اسرائيل وما بعد قيامها... لقد خرجت من هذا اللقاء الصحفي العفوي وأنا أردد خلف مقود سيارتي ما بين الفندق وجريدتي قول أبو الطيب المتنبي :


ومَن صَحِبَ الدُنيا طويلاً تكشّفَتْ
        على عَينهِ حَتى يرى صِدقها كَذباً !
وقول طرفة بن العبد :
ويأتيكَ بالأخبارِ مَنْ لم تَبِعْ لَهُ
        بَتاتاً ولَم تضْرِبْ لهُ وَقتَ مَوعدِ !






 

خيارات الصفحة