اتصل بنا ارسل خبرا
في عنف الخطاب ولينه


kjjkb_478e3.jpg



كثيرة هي عبر التاريخ ودروسه. ومن لا يفيد منها ينأى بنفسه عن الحكمة, ويدفع نفسه في المهالك, وقد يجر بلاده – اذا كان من اهل السياسة - الى فتن ماحقة واضطرابات مبيرة.

وان من هذه العبر ما يمكن الافادة منه في اسلوب مخاطبة الناس على اختلاف بيئاتهم ومواقعهم, اذ لا ينبغي للعاقل ان يخاطب اهل المدن والقصبات كما يخاطب اهل البراري, ولا ان يخاطب الجهال كما يخاطب العلماء, ولا ان يخاطب الزاهدين كما يخاطب الطامعين.

ولقد جاء في الاثر الشريف قوله صلوات الله وسلامه عليه: «امرت ان اخاطب الناس على قدر عقولهم» والعقول لدى النظر واجهات الانفس ومرايا الطبائع, فصار من معنى ذلك ان على من يخاطب قوماً أو جماعة او فئة ان يراعي بنيتها الشعورية. فاذا زدنا على ذلك ان البلاغة هي «مطابقة الكلام لمقتضى الحال» فقد تبين لنا ان ما من خطاب اعلامي شامل يصلح لفئات المجتمع كلها. وأن من الضروري ان يكون ثمة مستويات في الخطاب او ان يكون ثمة خطابات مختلفة وإن كان جوهرها واحداً..

انتبه الى ذلك ارسطو الاغريقي, والكلاميون الاسلاميون (بعضهم) فجعلوا الناس ثلاثة مستويات: اهل الخطابة, واهل الجدل واهل البرهان. واقول بعضهم لأن الامام الجويني في كتابه العظيم «الكافية في الجدل» (الذي لو ترجم اليوم الى اللغات الحية لافاد اذكياء الامم منه كثيراً) قد جعل الجدل طريقاً الى اليقين ونأى به عن ان يكون مغالبة حجاجته بين متناظرين.
اما ملتمس العبرة في حديثنا هذا فهو ما جاء في اخبار محمد بن ثومرت صاحب دعوة الموحدين في المغرب, من امره اتباعه الدعاء الى حركته باتباع اسلوب اللين والمداراة مع ابناء القبائل بوجه خاص, اذ إن ما يجدي من عنف في الخطاب في المدن الكبرى – آنذاك – امثال فاس ومراكش والمهدية, لا يجدي فتيلاً في البوادي حيث القبائل ذات العزة والمنعة والانفة, والتي لا يتورع ابناؤها عن مقابلة العنف بالعنف..
لقد انتبه ابن ثومرت الى ضرورة تفاوت الوان المخاطبة والتعامل بحسب تفاوت مستويات الحضارة وبيئات الاجتماع الانساني.

واذا كان ابن ثومرت قد راعى – في سياق التمكين لدعوته – حقيقة تفاوت البيئات وضرورة تفاوت ألوان الخطاب. فإن من اسباب نجاح السياسات المعاصرة في العالم العربي (الذي اكثره اهل بادية) ان لا يكون ثمة عنف في الخطاب ولا في التعامل. اذ العنف مظنة العنف, وليس كالرفق والملاينة سبيل الى تألف القلوب واستمالة العقول.

ولعل المتربصين بأمة العرب ان يكونوا هم الاكثر اغتباطاً بأية بادرة عنف فيها, ليتداعى من ذلك ما يكون سبباً في خراب البلاد, وازهاق الانفس, وتوطئة الظروف التي تمكن للصهيونية والاستعمار في ديار العروبة والاسلام تمكيناً, وتمهد لهوانها على العالمين تمهيداً..






 

خيارات الصفحة